انت هنا : الرئيسية » الواجهة » سور “المعگازين”!

سور “المعگازين”!

هاتفتني قريبتي الغالية جدا.. التي تقريبا تماثلني سناً.. قريبتي التي تقريبا تربينا معاً.. وكانت بذلك تؤنس وحدة طفولتي بحكم أنني ترعرت في كنف جدَيَّ.. وكان ما أحوج نَهْلي من حكمتهما وتعقّلهما، وحنانهما وتبصّرهما، بالإضافة إلى سيول الكتب التاريخية والأدبية التي كانت تأبى والدتي رحمها الله إلا أن تغمرني بها.. إلى “ملح وفلفل” الطفولةً.. أي شقاوة الصغار المحببة!.. وإلا صار “طاجن” حياتي بدون مذاق.. أو يشبه طعام المستشفيات.. وبالطبع ذاك الفلفل والملح كانت تتكفّل برشّهما قريبتي تلك بقضائها جلّ العطل المدرسية ببيتنا وأحيانا بعض نهايات الأسبوع..

المهم أن قريبتي المذكورة.. هاتفتني منذ أيام لتدعوني لعقد قران ابنتها.. معلنة أنها قد اتفقت للتوّ مع أهل العريس على “النهار الكبير” الذي ستقيم الأسرتان معاً لزفاف فلذتي كبدهما.. وأنها خصتني بجعلي الأولى التي تدري بالخبر قبل “النگافة”، و”الفرقة الموسيقية”، و”ممول الحفلات” بل حتى “قاعة الأفراح”!.. وأنها أسعد من السعد نفسه، بل ستصبح مرتاحة البال وتُمسي قريرة العين، وهي تعلم علم اليقين أن ابنتها -العروس- متى التحقت بزوجها إن شاء الله ستكون في رعايتي بالمهجر، وأن ظهرها محمي ودافئ بتواجدها بمدينة حدودية لا تبعد كثيراً عن إيطاليا..

وبقدر ما كان الخبر مفرحاً ومبهجاً لأن عائلتنا الكبيرة لم تشهد مناسبات بهيجة كبرى منذ عقد أو أكثر -الله يحد الباس-.. إذ كانت تجمعنا نحن المغتربين بالمقيمين فقط المآتم، أو العيادات المرضية، أو زيارات المواساة على أهون حال!.. اللهم لا اعتراض على قدر الله.. وها هي أخيرا مناسبة بهيجة ستجمعنا وستُزفّ من خلالها جميلتنا المدللة ما شاء الله ذات 22 ربيعاً ليس بعيدا عن مقامي الإيطالي لنؤنس وحدة بعضنا البعض!.. ونعقد مقايضة عاطفية نحن الاثنتان!.. هي سَتَهَبُني لحيظات أمومة مُصادَرة!.. وأنا سأهديها حنان بُنوّة مُبعَدة!..

إلى هنا والمعطيات من المفترض بها أن تُسمّد الأحلام.. وتسقيها وتظللها لتونِع!.. لكن بدل أن يُحضر خيالي العنيد أصيصاً ليبذر تلك الأحلام على الفور.. جعلني أستحضر ما شاء الله من مخاوف وهواجس ولواعج.. إذ وأنا أنهي المكالمة مع قريبتي.. وبدل أن “تصلّي على النبي” أعماقي وتُزغرد!.. خلتها انعدام الحمية تتوعد!.. وفي وجه قلة المروءة والشهامة والخِذلان والتردد والتصابي تُزمجر وتُرعد!.. نعم!.. ويح بلدي الذي لا يملّ رُبع الرجال به الاصطفاف في طوابير العازفين عن الزواج وفرائصهم ترتعد خوفا من تحمل المسؤوليات!.. كأولئك الناظرين إلى الشط الإسباني من سور “المعگازين” الطنجوي الشهير 24/24 ساعة.. فلا هم بالعاملين لتوفير ما يكفي لتحصيل تأشيرة وتذكرة الهجرة صوب القارة المجاورة!.. ولا هم بالمغامرين السابحين في عرض البحر لبلوغ تلك القارة!.. ويح بلد يزهد الربع الثاني من رجاله في بنات جلدتهم ويقدمونهم على أطباق من فضة وذهب بل حتى من نحاس وطين إلى مواطني الشرق والغرب معاً!.. ويح بلد يتلاعب الربع الثالث من رجاله  بمشاعر الفتيات وقلوب العذارى، ثم يرفعون فجأة سوط التقوى حتى قبل أن يرفعوا سراويل خطاياهم في حق الأعراض؟..

يااااه!!! التحاق قريبتي هذا بسِرْبِ “حمائمنا” المتزوجات من أوروبيين أشهروا إسلامهم لهو الثامن بين أوساط عائلتي المقربة جداً جدّاً في غضون سنوات قليلة!..  إنها ثامن يافعة تحمل لي صهراً قد يؤُمّ بي الصلاة – كأزواج الأخريات- بلغة عربية مُكسّرة متى زرت بيتهما أو زارا بيتي.. إنها ثامن يافعة تقود نحوي صهراً قد يسألني يوم عيد الأضحى كغيره:  quand est ce qu´on va manger les   “كرعين”.. إنها ثامن يافعة قد تهديني صغاراً يتحلقون حولي ناشدين  كأقرانهم ذات مرة: قفطانك is open آلالة!.. إنها ثامن يافعة متى اِلْتَأم شمل العائلة بحضورها وأسرتها الصغيرة قد يتحتم عليّ القيام -كالعادة لصهر الاختلاف الثقافي- بدور المعالجة النفسية قبل المترجمة الفورية لما نتجاذبه من أحاديث حتى وإن كانت غير ذات أهمية!.. إنها ثامن يافعة ستزيد شخصيتي انفصاما على نوبة الفصام الدوري التي يدخلني فيها أفراد عائلتي في كل مناسبة.. حيث أجدني في اللحظة ذاتها “خالتو/عمتو” المراكشية -المقيمة بروما- لأطفال بيضاويين على الدوام متحمسين!.. وآخرين طنجويين مسالمين!.. وفيلق مُشاة جرمانيين!.. وجيش عرمرم -ما شاء الله- من بلاد الإفرنج!. وبحارة أشاوس من الفايكنج!.. وحالمين من عالم الورود والطواحين الهوائية!.. ورعاة بقر من القارة الأمريكية!.. ومشاريع حُماة لتاج امبراطورية صارت تغيب عنها الشمس!.. ومتأرجحين ما بين مجد القياصرة ونظريات لينين وماركس!..

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 1013

اكتب تعليق

الصعود لأعلى