انت هنا : الرئيسية » الواجهة » فيلم الصدمة والمخرج اللبناني: تطبيع ام تطويع الرأي العام

فيلم الصدمة والمخرج اللبناني: تطبيع ام تطويع الرأي العام

نادية عصام حرحش

أثار رجوع المخرج اللبناني زياد الدويري وايقافه في مطار بيروت الاسئلة وأخرج من جديد ملف التطبيع مع اسرائيل. أسئلة تعيد نفسها دائما ولا تبدو خطوطها العريضة واضحة كما لا تبدو خطوطها الحمراء بحرقة نارالمصطلح وابعاده.

قبل البدء، اريد التأكيد ان موقفي من موضوع التطبيع تعتريه الغشاوة ومواقفي تجاه الامر ليست بالوضوح التام على صعيد ماهيته وحدود تعريفه.

وتجدر الاشارة كذلك ان هذا الموضوع يراوح بين محورين اساسيين ، احدهما جماهيري شعبي ، والاخر شخصي اخلاقي. اي ان مسألة التطبيع من اجل نجاحها يجب ان تكون جماهيرية شعبية من جهة ، ويجب ان تكون شخصية يقتنع صاحبها بأنها واجب اخلاقي. وقد يكون من السهل رصد المثال العربي على الصعيد الشعبي في هذا الصدد، فالشعوب العربية استطاعت ان تثبت ان ما تقوم به الحكومات من تقرب من إسرائيل يغير من القرار الشعبي تجاه اسرائيل ككيان محتل.

اهتمامنا هنا كفلسطينيين بموضوع المخرج اللبناني، لأن ممثلا فلسطينيا نال جائزة أفضل ممثل عن الفيلم ا لجديد. وبطبيعة الحال فرحنا وافتخرنا بفناننا وانجازه.

ومع تزايد التساؤلات عن المخرج وعن فيلمه السابق، تبين ان الفيلم السابق هو الصدمة ، المأخوذ عن رواية الجزائري ياسمينة خضرا (ياسمينة هو الاسم القلمي للكاتب). حين وصلتني المعلومة تلك، اخذت بالطبع موقفا من الفيلم . فلم اكن بحاجة لافهم اكثر ، لأني قرأت الرواية ، او بالأحرى حاولت قراءتها واغلقتها بعدعدة صفحات ، لأنها كانت خيبة امل كبيرة من كاتب لطالما تحمست لقراءة إنتاجه . قصة كاتب عرف انالطريق لجوائز الادب يجب ان تمر من خلال “آنسة الاحتلال”. ولا داعي للشرح كثيرا فالقصص التي هكذاحالها تملأ المكتبات.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية في قراءة هكذا قصص او سيناريوهات افلام ، او ما نريد ان ندرجه تحت قائمة الابداع الفكري والفني . من ناحية، هناك الكثير للنقاش في موضوع فصل الادب والفن والعلم والابداع عن السياسة . ولكن هناك خط واهن يجب الا يغيب عن الفلسطيني تحديدا . وقد رأيناه في امثلة كثيرة . ومن السهلان يقع شخص من الخارج في هذا المطب الكبير . “أنسنه الاحتلال” . هو بالفعل ما وصلنا اليه ، عندما يسألني تونسي في برلين على سبيل المثال : ” لماذا تطعنون الابرياء؟ ” وعندما يقول لي مصري في القاهرة : “لماذا ترفضون السلام ، انهم أفضل لكم من تزمت حماس؟ ” ، او عندما يقول لي سوري معارض : ” انتم في رخاء امام جحيم النظام .”

اسرائيل توفر فرص ، خدمات ، تعلمنا ، تنظف لنا الشوارع ، تقدم لنا الخدمات الصحية ، نحن نعيش معها بأمن يفوق الأمن الذي يشعر به المواطن في معظم الدول العربية ، حرية التعبير عندهم اكثر من تلك في الضفة المقابلة ! كل هذا لا يسقط عن اسرائيل صفة الاحتلال .

ان يكون هناك انسان اسرائيلي محترم ، وودود وخدوم ، لا يعني ان النظام الذي يأتي منه هذا الانسان هونظام انساني. اسرائيل دولة ديمقراطية فقط لمواطنيها اليهود. كل ما يترتب عن هذا يصب فقط في مصلحة صورتها امام مواطنها اولا والعالم ثانية .

ولكي لا اقع في مطب الحكم المسبق والاعمى ، تغلبت على الرفض الفطري وقررت مشاهدة الفيلم . ولا افهمكيف لعاقل الا يرى بالفيلم ما رأيته ؟ عن اي حقيقة يتكلم احدهم ؟

اي عاقل في فلسطين قد مرت عنه هكذا قصة ؟ بين ان يكون هناك عربي قد شقي واستحق ان يعمل ويتميزفي مستشفى اسرائيلي ، وبين كم الصعوبات التي تقترب الى الاستحالة في هذه الفرص اذا ما قارناه بالاسرائيلي اليهودي. من اجل ان تكون في هذا المكان عليك ان تكون بالفعل مستحقا ومتميزا وقد اثبتت ذلكبلا كلل . ولكن هذا التميز ليس بالضرورة لليهودي . إن كنت اسرائيليا يهوديا ، تستطيع ان تكون ضمن المئات الذين ينافسون على مثل هكذا فرص ويحصلون عليها . فالموضوع ليس موضوع “كثّر الله خيرهم” .اسرائيل كيان احتل هذه الارض وهذا الشعب ، وان يحصل المواطنون على خدمات تعليمية هو من واجبها . ولكن في حبكة الكاتب الذي لا يفقه عن هذا المكان الا ما سمعه وشاهده من الخارج ، من الطبيعي ان تبدو هذه الحالة استثنائية . اما ان تكون زوجته مسيحية وتفجر نفسها تحت اسم الدين فهذا لم نسمع به . وبالطبع فان ا لكاتب يريد ان يبعد فكرة “تدعيش” المجتمع العربي ، فيجمع بين مسلميه ومسيحييه بالإرهاب.

ان ينسى الاتي من الخارج والمطبع مع اسرائيل ان هذه دولة احتلال ، امر طبيعي . فما حصل مع المخرج اللبناني الذي جاء الى تل ابيب، رأي مدينة كوزموبولتان يعيش اناسها بأمان وامن ولا يتكلمون اصلا بالسياسة. اولئك نسوا اصلا انهم يعيشون في كنف احتلال شعب اخر . هم مجرد اناس يتعبون ويشقون ليعيشوا بأمانويريدوا السلام !

انتظر فقط للحظة حرب تشنها وزارة الحرب على مداخل مدينة تل ابيب ، وكيف يتحول اولئك الى مصاصيدماء . يشربون الدم الفلسطيني كشرب الانسان للماء .

ما الذي قدمه المخرج اللبناني للقضية الفلسطينية بهذا الفيلم العبري الذي تم اخذ قصته من الشاباك الاسرائيلي( وهنا لا افتعل الرواية هذه ، فهكذا حصل خضرا الذي لم تطأ قدمه تل ابيب على موضوع روايته).

عندما قال المخرج اللبناني ان هذا الفيلم لم يكن فيلما تطبيعيا وانه خدم القضية الفلسطينية ، ما الذي قصده بالتحديد ؟ خدم القضية الفلسطينية بصناعة فيلم اسرائيلي بامتياز ؟ هناك افلاما اسرائيلية تخدم القضية الفلسطينية بجدارة ، وقد يكون فيلم مفرق ٤٨ احدها . وهناك افلام كتلك التي قدمها المخرج الفلسطيني هاني ابو اسعد ، عبرت عن حقيقة الوضع بلا رياء ولا تملق . هذا الفيلم ، كما الرواية المأخوذ عنها صدمة حقيقية لمن يفكر للحظة ان بها ما يخدم القضية الفلسطينية .

ما جرى وما يجري بهذه اللحظات هو عملية تطويع شعبي لفكرة اكبر واخطر من التطبيع . ما يجري هوعملية ممنهجة في “أنسنة الاحتلال” من خلال الفكرة الصهيونية الحديثة . اولئك الذين تخلوا عن فكرة ارضبلا شعب لشعب بلا ارض بعد عقود من التواجد على ارض لم يستطيعوا محو الشعب منها . فقرروا أنسنه هذاالوجود بصيغ كهذه . صيغ تُطَوِّعُنا نحو رؤية الاحتلال ككيان يدافع عن نفسه ويحاول ، وقد يخطئ وقد يصيب .

والفيلم … اداء الممثلين فيه رديء ، واعترف ، بأنني لا استطيع ان احترم ممثلا عربيا او فلسطينيا يقبل انيكون جزءا من هكذا عمل. اتابع المشاهد المأخوذة في الاماكن الفلسطينية واشعر بالحزن والغضب ، كيف تم خداع الناس من اجل تصوير هكذا فيلم ؟

وللحق كلمة يشقّ سماعها !!!!

http://nadiaharhash.com

رأي اليوم

عن الكاتب

عدد المقالات : 1263

اكتب تعليق

الصعود لأعلى