انت هنا : الرئيسية » السياسة » المصالحة المضادة معوقات إنهاء الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس

المصالحة المضادة معوقات إنهاء الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس

د. نادية سعد الدين

اختتم في القاهرة مؤخرا لقاء الإطار القيادي لتفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة الرئيس محمود عباس، وحضور حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، بدون تحقيق نتائج ملموسة على صعيد إنجاز المصالحة. اللقاء، الذي ضمّ، أيضاً، بعد طول غياب، الأمناء العامين للفصائل، ورئاسة المجلس الوطني، واللجنة التنفيذية للمنظمة، وشخصيات مستقلة، خلال يومي 8 و9 من شهر فبراير الجاري، لم يستطع حسم قضايا خلافية أساسية في قانون انتخاب المجلس الوطني، ولا تحديد موعد لتشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات، فأجل بحثها إلى شهر مارس المقبل، بينما قد يمتد التنفيذ لوقت زمني آخر.

وبذلك، تكون جولة أخرى من حوار المصالحة قد انتهت بدون إحداث اختراق في ملفاته المؤجلة، برغم الأجواء الإيجابية التي سبقته، وأشاعت تفاؤلاً في الشارع الفلسطيني بقرب إنهاء الانقسام الممتد منذ عام 2007 بين حركتي فتح وحماس.

ولأن محددات المصالحة المضادّة لا تزال، فيما يبدو، تشكل ضغطاً ثقيلاً غير متوازن مع عوامل راهنة تساعد على إنجاحها، والدفع باتجاهها، من بينها الثورات العربية، وسياسة العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، فإن اللقاء الأخير، أسوة بسوابقه، لم يخرج عن إطار “إدارة الانقسام” وليس إنهاءه، بانتظار ما ستسفر عنه الأحداث والمتغيرات الجارية في المنطقة.

لقاء القاهرة وعوامل إنجاح المصالحة

جاء اجتماع لجنة تفعيل المنظمة في ظل أجواء إيجابية عززت من فرص تحريك ملفات المصالحة باتجاه إنهاء الانقسام، وتحقيق الوحدة الوطنية، كان من أبرزها انتصار المقاومة الفلسطينية على العدوان الإسرائيلي الأخير ضد قطاع غزة، وتحقيق مكسب دبلوماسي سياسي، في 29 نوفمبر 2012، بنيل فلسطين صفة “دولة مراقب” غير عضو في الأمم المتحدة، واللذان جاءا على وقع الثورات العربية، وبدفع أجوائها.

وتجلى الحضور الإيجابي للحدثين معاً، الميداني، بحيثياته ومآلاته، والسياسي، بزخمه الدولي، في خطوات تم اتخاذها لاحقاً في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، تمثلت في إطلاق سراح بعض المعتقلين، وتخفيف حدّة التراشق الإعلامي، والسماح بتنظيم مهرجانات الانطلاقة لفتح وحماس، ومن ثم اتفاق الطرفين على عمل لجان الحريات والمصالحة المجتمعية، وعودة لجنة الانتخابات المركزية إلى قطاع غزة مجدداً، غداة تحفظ حماس على عملها في الضفة الغربية إزاء ما تنتقده من استمرار سياستي الاعتقال والتضييق بحق ، مما أشاع بشائر قرب إنهاء الانقسام في الشارع الفلسطيني، الذي شكل عنصراً إضافياً ضاغطاً على كلا الطرفين للسير الجاد في خطى مصالحة متعثرة حتى الآن، وذلك حينما خرج بمظاهرات شعبية عارمة في مارس 2011 للمطالبة بتحقيق المصالحة، وإنهاء الانقسام، استكملها في مطلع العام الماضي للتنديد بالأوضاع الاقتصادية الخانقة، وباستمرار الانقسام، ومن ثم في منتصفه احتجاجاً على زيارة كانت مقررة إلى رام الله لنائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شاؤول موفاز (رئيس حزب كاديما الذي حصد مقعدين في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة)، ولاحقاً في صورة تحركات متقطعة، ولكنها متواصلة ومرشحة للاستمرارية في ظل بيئة حاضنة للتصعيد.

وإذا كانت أجواء الثورات العربية، بمفاعيلها المتداخلة، قد أذكت حراكاً شعبياً فلسطينياً لإنهاء الانقسام، فإن ثورة مصر، بقيادتها الجديدة المنتحبة، وفرّت غطاء رعاية متوازنا، ووساطة محايدة بين حركتي فتح وحماس، لتحقيق مصالحة تريدها لضمان الاستقرار في غزة، بما تجلى ابتداءً في إتمام اتفاق المصالحة في مايو 2011 بالقاهرة، ولاحقاً في إسناد حماس وقوى المقاومة أثناء عدوان الاحتلال على غزة، وأخيراً في تشكيل رافعة قوية لترتيب لقاء أطراف الحوار الفلسطيني في القاهرة، والذي جاء في سياق أوضاع معاكسة لما قبل الثورات العربية، ولكنها شبيهة بأجواء لقاء مايو.

فبينما ذهبت حماس بسند قوي وأجواء مغايرة للسابق، فرضتها أحداث سوريا بتبعات اضطرار الحركة لمغادرة مقرها الرئيسي في دمشق صوب دول عربية مختلفة، وتوتر العلاقة مع إيران لصالح الاقتراب من مصر والسعودية وتركيا، بما يحمل من حسابات سياسية مختلفة، فإن الأوضاع نفسها قد أرخت أوراق ضغط قوية ملكتها فتح طويلاً، بعدما فقدت إحدى دعاماتها غداة سقوط نظام مبارك ورحيل عمرو سليمان عن مسرح القضية، بما اضطرها لإعادة ترتيب أوراقها السياسية، إزاء انسداد الأفق السياسي، وإمعان الاحتلال في سياسة الاستيطان والتهويد والعدوان ضد الشعب الفلسطيني.

ولم يكن العنصر الإسرائيلي بعيداً عن دوافع اجتماع القاهرة الأخير، كما عن محدداته أيضاً، في ظل نتائج انتخابات البرلمان الإسرائيلي “الكنيست”، التي جرت في 22 يناير الماضي، وأفرزت توليفة يمينية متطرفة ستجد حضورها في المشهد السياسي، وتالياً في أركان حكومة قادمة أكثر غلواً وتشدداً وتمدداً استيطانياً، بما يشي بتقويض “حل الدولتين”، وانحسار المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية ضمنها، بعدما تمكن الاحتلال من قضم زهاء 80% من مساحة الضفة الغربية، مبقياً أقل من 20% فقط للفلسطينيين، تعادل 12% من فلسطين التاريخية، فيما تمتد “البقعة” الخارجة عن يده ضمن ثمانية “كانتونات” غير متصلة جغرافياً، لتشكل، مع مساحة قطاع غزة، قوام الكيان الفلسطيني المستقبلي، وفق الرؤية الإسرائيلية، الذي لا يخرج بالنسبة إليها عن إطار حكم ذاتي معني بالشئون المدنية للسكان، باستثناء السيادة والأمن الموكولين إليه.

إلا أن ذلك كله لم يسهم، حتى اللحظة، في ترميم خلاف حركتي فتح وحماس، والدفع باتجاه وحدة وطنية ملحة لمجابهة عدوان الاحتلال الإسرائيلي، وإنما راكم أزمة ثقة بين الطرفين حالت دون تنفيذ اتفاقيات متوالية بقيت حبراً على ورق، وعرقلت تحقيق إنجاز ملموس في ملفات المصالحة الرئيسية، وهي: تشكيل الحكومة، وإجراء الانتخابات، وتفعيل منظمة التحرير، والأجهزة الأمنية، والمصالحة المجتمعية، والحريات والسلم الأهلي.

وقد تجلت الأزمة أخيراً أثناء اجتماع لجنة تفعيل منظمة التحرير وما بعده، نتيجة عدم حسم قضايا خلافية أساسية في قانون انتخاب المجلس الوطني، من أبرزها علاقة المجلسين “الوطني” و”التشريعي”، ما بين “الوصل” أو “الفصل”، وآليات النظام الانتخابي، وتحديد الدوائر الانتخابية، ومسألة إشراف لجنة الانتخابات المركزية على إجراء الانتخابات خارج الأراضي المحتلة، حيثما أمكن ذلك. وقد امتد الخلاف إلى البرنامج السياسي للمنظمة، في ظل مطالبة حماس بتغييره، ووضع برنامج سياسي يتناسب مع المرحلة القادمة، بما يدخل في إطار البحث اتفاق أوسلو (1993)، والاعتراف بالكيان الإسرائيلي، والإقرار بحدود 1967، بما يخالف نهج السلطة الفلسطينية التي تعتمد التفاوض خياراً استراتيجياً أوحد لإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وفق حل الدولتين.

وقد أفسح تأجيل البت في موعد تشكيل الحكومة، وإجراء الانتخابات، وسط خلاف “الأولوية”، وبالتالي إرجاء ملفات المصالحة الأخرى، مجالاً خصباً أمام تبادل حركتي فتح وحماس اتهامات إفشال التقدم في الحوار. إذ حذرت حماس من “استجابة السلطة الفلسطينية للضغوط الأمريكية بعدم إنجاز المصالحة والعودة إلى المفاوضات، في ظل الزيارة المرتقبة للرئيس باراك أوباما إلى الأراضي المحتلة الشهر المقبل”، بما يجعلها رهينة الخارج، وليس شأناً داخلياً، سواء جرى تقديمها كقربان شرعية لمسار التفاوض، في حال نجاح الزيارة باستئنافه، أم تم التجاوز عنها، رضوخاً لمطلب واشنطن، أو نتيجة فشل الزيارة، وهو الأمر الذي نفته فتح، باستلال نفس اتهام “تعطيل المصالحة” لجهة حماس.

محددات المصالحة

تقف جملة محددات داخلية وخارجية متداخلة أمام تحقيق المصالحة، وإنهاء الانقسام، من أبرزها:

أولاً: لا شك فى أن نواتج الثورات التي تتحقق بإرادة الشعوب تطلعاً لغدٍ أفضل من الحرية، والاستقلال، والكرامة، والديمقراطية، بما يؤدي إلى نهضة الأمة وتقدمها، تشكل نصيراً، وعمقاً عربياً وإسلامياً لمقاومة الشعب الفلسطيني، بشتى أشكالها، وفي مقدمتها الكفاح المسلح، لتحقيق أهداف التحرير، وتقرير المصير، عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم.

غير أن انشغالات دول الثورات العربية، لاسيما مصر، بأزماتها وقضاياها الداخلية، وبصدّ محاولات التدخل الخارجية المضادة، يجعلها غير مؤثرة، آنياً على الأقل، في تقديم الدعم والنصرة المطلوبين للفلسطينيين، خارج سياق المواقف التضامنية التي برزت أثناء عدوان غزة. فيما تحتاج عملية التغيير والإصلاح المنشودة، وعودة الاستقرار للمنطقة، إلى سقف زمني، يقدره خبراء بقرابة 5 – 7 سنوات على الأقل، وأحياناً عشر، ليصار بعدها إلى عقد الآمال في دعم حقيقي ومؤثر للقضية وللشعب الفلسطيني، بما يمنح الاحتلال فرصة كافية لتعميق الخلل القائم لصالحه.

ثانياً: لم يكن استمرار الانقسام بين حركتي فتح وحماس وحكومتي رام الله وغزة مجرد صراع على السلطة، كما يراه البعض سبباً أوحد، وإنما هو انعكاس لخلاف سياسي عميق واختلاف بين رؤيتين حول طريقة تناول المشروع الوطني، لم تتمكنا حتى الآن من التوافق على قضايا جوهرية مرتبطة بمساري التسوية والمقاومة، والاعتراف بالكيان الإسرائيلي، وبحقه في الأرض المحتلة سنة 1948، وقد يطول الأمر بانتظار أن تتوافق الرؤيتان، أو أن يُحسم الأمر لإحداهما.

فيما تدير حكومة رام الله السلطة في الضفة الغربية، في ظل التنسيق الأمني مع الاحتلال، وفتح المجال أمام جنرالات الولايات المتحدة لما يسمى “تطوير وبناء” أجهزتها الأمنية، بما يتوافق واستحقاقات خريطة الطريق، ومتطلبات الدور الأمني لإدارة الحكم الذاتي، فكفـِّت يد الفلسطينيين، ولاحقت المقاومة، لكنها لم تنجح في نيل أدنى تعهد من الإسرائيليين بكفّ أيديهم عن الاستيطان، ومصادرة الأراضي والاعتقالات والاغتيالات. بينما وقعت حكومة غزة أسيرة بين الحصار، بداية، والإفشال، وربما الاجتثاث لاحقاً، إذا ما قدِّر لبرنامج أوسلو العودة لإدارة القطاع، في ظل المساعي الأمريكية الإسرائيلية لفرض شروط اللجنة الدولية الرباعية على حماس، بالاعتراف بالكيان الإسرائيلي، وبالاتفاقيات الموقعة معه سابقاً، ونبذ “العنف”. إلا أن استمرار الحركة في التسلح، والإعداد لمواجهة العدوان الإسرائيلي، دليل على إصرارها على الصمود، وإنجاح خط المقاومة الذي تتبناه.

وقد أدى “فقدان الاتجاه”، و”ضياع البوصلة” في قيادة المسار الوطني الفلسطيني، وتعارض برنامجي وأسلوبي القيادة في رام الله وغزة، وتكرس أزمة الثقة بين حركتي فتح وحماس منذ أوسلو، وصولاً إلى فوز الأخيرة في انتخابات المجلس التشريعي (2006)، وسيطرتها على القطاع (2007)، إلى محصلة سلبية أثرت فى المشروع الوطني، في ظل فشل جلسات حوار المصالحة المتوالية، واستفادة سلطات الاحتلال من استمرار الانقسام في متابعة عدوانها على الشعب الفلسطيني.

ثا لثا: لا يزال العامل الإسرائيلي يلعب دوراً مهماً في وقوع الانقسام وتعميقه، وعدم حله، بسبب سيطرته على ثلاثة ملفات على الأقل من تلك المطروحة على طاولة الحوار الفلسطيني، وهي الحكومة، والانتخابات، والأمن، وقدرته على تعطيلها وإفشالها، وبسبب استفادته المثلى من استمرار الانقسام لمتابعة مشروعه الاستيطاني التهويدي في فلسطين، والركون إلى واقع القطيعة بين الضفة وغزة للتدليل على ما يدعيه أمام المجتمع الدولي من مزاعم عدم وجود شريك فلسطيني، وانتفاء ركائز إقامة الدولة الفلسطينية المتصلة على حدود 1967، خلافاً للمسعى الفلسطيني في الأمم المتحدة.

ويتماهى “الفيتو” الأمريكي مع المحدد الإسرائيلي ضد المصالحة، إلا إذا جاءت ضمن شروط معينة تساعد على إحياء العملية السلمية، واستئناف المفاوضات، وذلك لدرء خطر الوحدة الفلسطينية على المخطط الإسرائيلي- الأمريكي في فلسطين، وتقوية الموقف الفلسطيني التفاوضي لتحصيل الحقوق الوطنية في التحرير، وتقرير وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم، فضلاً عن تبعات مشاركة حماس في الحكومة، وانضوائها في إطار منظمة التحرير، مع استمرار رفضها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي، وبوجوده، وبالاتفاقيات الموقعة معه سابقاً.

وفي المحصلة، فإن غياب الإرادة الحقيقية عند حركتي فتح وحماس لإنجاز المصالحة يفسح المجال أمام التغلغل الخارجي بين ثنايا الانقسام لضرب المشروع الوطني الفلسطيني. إلا أن صدّه يتطلب، بطبيعة الحال، المضي قدماً في تحقيق الوحدة الوطنية، وترتيب البيت الداخلي، تمهيداً لوضع استراتيجية موحدة على أساس المقاومة، بشتى أشكالها، لمواجهة عدوان الاحتلال.

تعريف الكاتب:

باحثة وصحفية من الأردن

المصدر. السياسة الدولية

عن الكاتب

عدد المقالات : 1469

اكتب تعليق

الصعود لأعلى