انت هنا : الرئيسية » الواجهة » امرؤ القيس وطه حسين ليسا آخر من اضطهد المرأة … نظرة على المدونة النقدية العربية بصدد المرأة المحاصرة بالذكورية

امرؤ القيس وطه حسين ليسا آخر من اضطهد المرأة … نظرة على المدونة النقدية العربية بصدد المرأة المحاصرة بالذكورية

ممدوح فراج النابي – القاهرة – ” وكالة أخبار المرأة

 الرجل الذي دعا إلى تحرّر المرأة، ونادى بمساواتها له، أنكر عليها حقها في التفكير، بل مارس الإقصاء على كل نتاجها الإبداعي والفكري النقدي! وهو ما يضعنا أمام مأزق حقيقي، بين دُعاة التنوير، وهذه العقليات الراديكاليّة، مع أن المسافة بين التنوير والحجر بعيدة، ولا يمكن أن يلتقي أصحاب الفكر التنويري والظلامي في نقطة مشتركة، إلّا أنّه مع الأسف في مسألة المرأة التقى الاثنان، وهو ما كشف عن قشرة الحداثة الوهمية التي يدعيها التنويريون وأصحاب دعوات الحريات، والمساواة. فوجود المرأة في دائرة الرجل، ما هو إلا وجود رمزي أو شكلي مناقض لطبيعتها في وعيه.
ثمة أسباب كثيرة وراء هذا الغياب وتلك الندرة للنتاج الفكري والنقدي للمرأة العربية، تكرّرت في سياقات مختلفة، فالبعض يردّها إلى واقع الدول العربيّة التي تجيد الفصل والتمييز بين الرّجل والمرأة، وهناك مَن أرجع الأمر للمرأة نفسها التي ارتضتْ بهذا الدور وبقيتْ في بؤرة الظل، دون أن تسعى لأن تتحرّر وتخرج إلى نقطة الضوء، إضافة إلى “شعور المرأة بالاضطهاد الذي ولّد فيها شعورا عميقا بالعداء تجاه الذكر، وهو ما عَرْقَل إنتاجها الفكري؛ إذ بقيت حبيسة المعركة الجنسية “ذكر/ أنثى”، ولم تخرج منها نحو آفاق أرحب، مما جعل إنتاجاتها الفكرية محدودة مقابل نشاطاتها المدنية في الإعلام والمجتمع المدني.

العنف الرمزي
 يمكننا الإشارة هنا إلى أنّ المرأة في العالم العربي والإسلامي قد “نجحت في إنتاج خطاب يدين ممارسات المجتمعات الذكورية، ولكنّها لم تنجح في تفكيكها وفهمها”، كما تقول الباحثة التونسية خولة الفرشيشي في مقالتها “العقل ذكر والعاطفة أنثى”.
وإن كان هناك مَن يدين المرأة في هذه النقطة تحديدا، فاعتراف المرأة بالهيمنة الذكورية، وما تمثّله من اضطهاد وفق اعتمادها بنية ثقافيّة واجتماعيّة وسياسيّة، ساهمت في هذا الاضطهاد إلّا أنّ هذا يعود إلى المرأة أساسا التي ساهمت في تغذية الهيمنة الذكورية واستمراريتها، فوفقا لبيار بورديو، في كتاب “الهيمنة الذكورية”، أنه “لم يكن من الممكن اضطهاد النساء دون موافقتهن”، وهو الأمر الذي يجب أن يتوقف عنده علماء النفس والاجتماع معا.
وثمة سبب آخر يتمثّل في أن المرأة كانت تعمل ضدّ نفسها، فيشير جورج طرابيشي في كتابه “أنثى ضد الأنوثة: دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي” إلى أن السعداوي كانت تتبنى أيديولوجيا متناقضة تبدو مناصرة للمرأة، إلا أنها تتقاطع مع أيديولوجيا لا شعورية معادية للمرأة، فبعض أعمالها ينتمي إلى الجنس المضطهَد، حيث تضع السعداوي المرأة في وضع المُنسحقة والمُستلبَة لصالح الأيديولوجيا الذكورية، فالزهور المغمضة وهي تتفتح في ضوء الشمس لأوّل مرّة، تكون بين أمريْن، إمّا الاستسلام ومن ثم الانسحاق، أو المقاومة واستبدال الورق الناعم بـ”شوك نافر مدبّب”؛ عندئذ تستطيع أن “تحيا وسط النحل الجائع” على حدّ تعبير السعداوي في إهداء روايتها “امرأتان في امرأة”.
وما دامت الإدانة تنحصر في سطوة النظام الأبوي بشقيه؛ البنى الكبرى (المجتمع، الدولة، الاقتصاد) والبنى الصغرى (العائلة أو الشخصية الفردية) فأسئلة من قبيل: لماذا لم تنجح المرأة العربية -على الأقل- في رسم ملامح المساواة في المشهد الفكري، ولماذا لم تسعَ إلى الاستقلال، وما هي المعوقات التي تواجهها؟ تبدو عبثيّة ولا قيمة لها. فالمرأة استطاعت أن تحظى بالقليل من الحرية، سواء بنضالها الشخصي، أو بفعل المتغيرات التي حلّت سواء بانتشار التعليم، أو باقتفاء أثر دعوات حركات التحرّر في العالم، لكن كل هذا فقد تأثيره الفعليّ بسبب الحاضنة الاجتماعية، التي -وما زالتْ- تُكبّل المرأة بقيود شتى لا تبدأ بالدين، ولا تنتهي عند الأنساق الثقافية الحاكمة، والتي تختلف من بيئة إلى أخرى، ومن ثم تضيع كل جهود المرأة في الاستقلال سُدى.
لو تأمّلنا وضعية المرأة على امتداد تاريخ الثقافة العربيّة، لوجدنا أن المرأة على الرغم ممّا هيّأته بيئات مختلفة لسطوع نجمها في مجتمع الرِّجال، على نحو ما أتاحت أسواق الشعر في عكاظ والمربد، من ظهور شاعرات وناقدات، كما قدمت لنا المدونة الأدبيّة والنقدية، عن تقييم أمّ جندب للشعر، لاكتشفنا أولا أن نسبة التمثيل لم تكن في صالح المرأة، فلم ترد إلينا أسماء سوى اسم أمّ جندب زوجة امرئ القيس، وثانيا أن الرجل الذي أعطى للمرأة حقّ الظهور والتحكيم، كان وصيّا عليها، فاختيارها للتحكيم لم يأتِ إلا بقرار منه، ومهاجمتها والتحيّز ضدّ رأيها، كان من الرجل نفسه، وهو ما يمثّل عنصرية وتطرّفا بغيضيْن.
ولنأخذ من الحكاية التي ساقها ابن قتيبة في كتابه “الشعر والشعراء” عن علقمة بن عبدة الفحل في معرض حديثه عن سبب تسمية علقمة بالفحل، لنكشف أولا أن المصادرة أو التحيّز ضدّ المرأة -وربما هو السبب الحقيقي لهذا الغياب وتلك الندرة- ليس وليد اليوم، أو حتى رهين نزعة دينيّة كما سعى البعض وتذرَّع، بغرض تفريغ القضية من مضمونها الحقيقي، وإنما هي نِتاج عقلية ذكورية متكلّسة منذ بداية الصدام بين الطرفين، عقلية أحادية ليس أكثر، لا تؤمن بالآخر المُختلِف من ناحية الجندر، على الرغم من التحولات والمؤثّرات التي أسهمت في تكوين هذه العقلية، وأسهمت في أن تكون أكثر تحرّرا وإيمانا بالفكر دون تحيّز ضده بسبب اختلاف الجندر أو حتى الأيديولوجيا.
ومن ثمّ نطمئن بكل يقين إلى أن اختلاف البيئة الحاضنة ثقافيّا واجتماعيّا وأيضا سياسيّا، ليس له علاقة بهذا الموقف العدائي ضدّ المرأة ومنتجها الإبداعي والنقديّ.
فالخبر الذي أورده ابن قتيبة، في كتابه “الشعر والشعراء” يقول: فما إن تنافس علقمة الفحل مع امرئ القيس، وتجادلا إلى أمّ جندب زوجة امرئ القيس في أيّهما أشعر من الآخر، إلى آخر الحكاية المعروفة، في ترجمة علقمة الفحل. الشاهد من هذه الحكاية أنه عندما أقرّتْ أمّ جندب بأن علقمة أشعر من زوجها امرئ القيس مُستندة إلى ما قدمته من دليل استنبطته من سياق القصيدتيْن اللتيْن أنشداها أمامها في وصف الفرس على قافية واحدة، حتى أثار هذا الرأي حفيظة زوجها، وبدلا من مناقشتها فيما ذهبت إليه من أن علقمة “وصف فرسه بالسرعة المذهلة، وأنه يبلغ به غايته من الصيد وهو لا يزال يتوهّج نشاطا وقوّة، فهو ليس محتاجا إلى دِرّة يُحَفَّزه بها، ولا إلى سوطٍ يُسَوّطُه به ليزيدَ من ركْضه، بل هو يركض من تلقاء نفسه كالريح المُرْسلة! في حين أنّ فرسكَ أنت (أي امرئ القيس)، تستعين على بلوغ صيدك مِن علَى متنه بالسّوط والدِّرّة، والتهييج والتنشيط، والزَّجر والتحفيز، وإلّا فما صنعتَ شيئا!.. وشتّان ما بينهما؛ وبناء على هذا فعلقمة أشعر منك وأفحل”.
لم يجد امرؤ القيس حيال رأيها سوى الطعن في مصداقيتها، وعاطفتها، بل متهمّا إيّاها بالخيانة حيث قال لها “ما علقمةُ بأشعر منّي، ولكنّكِ له عاشق!” فطلقها فخلف عليها علقمة، وفي رواية أبي الفرج الأصفهاني قال “ليس كما قلتِ، ولكنكِ هويته” وبهذا لقب بعلقمة الفحل. وهو ما يمثل انحيازا ذكوريّا ضد المرأة.
ردّ الفعل القاسي من امرئ القيس يكشف عن أوّل صورة من صور اضطهاد المرأة ثقافيّا، وإن كان هذا الاضطهاد بدأ بحادثة أم جندب إلا أنّه ممتدٌ إلى عصرنا الرّاهن، وهو ما ينقض القول بأنّ ندرة المفكّرات العربيات راجع بالأساس إلى الظروف التاريخيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة! فكيف الحال، وتبدُّل الظروف واختلاف السياقات لم يغيّر من النظرة الدونيّة للعقلية الذكوريّة الدونيّة ضدّ المرأة، ولم يجعلها تتبوّأ مكانة أعلى مما وضعت فيها من قبل، بل صار الماضي والحاضر يتساويان في ممارسة أشكال من العنف الرمزي ضدّ المرأة.
من جهة أخرى، أظهرت هذه الحادثة انحيازا تاما للعقلية النقديّة لرأي امرئ القيس ضدّ رأي أم جندب، فإذا كان طه حسين شكّ في قصة التحكيم جملة وتفصيلا، ونفس الشيء فعله تلميذه شوقي ضيف، حيث أرجع القصة بجملتها إلى “صنع الرّواة”، فإنّ ثمّة فريقا آخر أقرّ بحادثة التحكيم، وفي نفس الوقت انحاز إلى رأي امرئ القيس، ورأى أن السبب يعود إلى كراهية أمّ جندب لامرئ القيس.
وذهب الدكتور بدوي طبانة إلى أنّ أمّ جندب قد حكّمت هواها فعلا، وأنها ليست على صواب في ما التمسته من تعليل؛ لأن امرأ القيس لم يرد أنّ جواده لا يسير إلّا بتحريك الساقين، والزجر، والضرب بالسوط، فالحقيقة أن تحريك الساقين، واستعمال السوط لازمتان من لوازم كل فارس مهما يكن فرسه كليلا بليدا، أو جوادا حديدا، وذلك ليكون متمكنا منه. (بدوي طبانة: دراسات في نقد الأدب العربي، ص 53). فرأي بدوي طبانة في حد ذاته محاولة للتقليل من شأن حكم أم جندب والتهوين من أمرها، على نحو ما ردّ عليه د. محمد إبراهيم نصر. (النقد الأدبي في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، ص 50).
العابثات وتكرر الاعتداء
لو قفزنا زمنا أبعد من حادثة أم جندب وزوجها، إلى بداية عصر النهضة، لوجدنا أن معظم نتاجات المرأة الإبداعيّة جاءت تحت أسماء مُستعارة، وهذا ليس مجال حديثنا، لكن فقط هذا التخفي الذي سعت إليه المرأة، يكشف عن الخوف من الإقصاء، والنظرة الدونيّة التي كان ينظر بها الرجل إلى إبداع ما سواه، وكذلك أن المناخ والبيئة الثقافيّة في ذلك الوقت لا تتقبّل هذا من امرأة، وهو ما يعني تحيزا ضد الجندر، الذي لا علاقة له به بما تكتب، أو بحجم موهبتها. كما أن ذكورية الرّجل تعمدت إقصاء المرأة عند التأريخ لنشأة الرواية العربيّة، فجميع المقاربات بدأت برواية “زينب” لمحمد حسين هيكل التي صدرت عام 1914، متغافلين جهود الرائدات من النساء العربيات وخاصة في بلاد الشام بكونهن أول من دشن الكتابة الروائية على نحو ما فعلت زينب فواز في روايتها الرائدة “حسْن العواقب” التي صدرت عام 1898، وبعدها بست سنوات كانت رواية “قلب رجل” للكاتبة لبيبة هاشم، ثم أصدرت في مرحلة لاحقة روايتيها “حسناء الجسد” 1898، و”شيرين” 1907، وهي أعمال سبقت رواية محمد حسين هيكل “زينب”، التي لم ترَ النور إلا في عام 1914، كما يقول الكبير الداديسي في “أزمة الجنس في الرواية العربية بنون النسوة، ص 16، 2017”.
ربما كانت هذه نظرة خاطئة أو حتى متوهمة، فلكلّ قاعدة شواذ، فهناك كاتبات كثيرات كتبنَ ومارسن فعل الكتابة دون أن تتعرض إحداهن إلى الإقصاء أو حتى التقليل من قيمة ما تكتب. لكن الحقيقة المؤلمة أن فعل الإقصاء مورس في كل الحقب، وما زال يُمارس إلى الآن.
يكفي قراءة كتاب شعبان يوسف “لماذا تموت الكاتبات كمدا؟” لأصابتنا الدهشة من حجم المأساة التي مارسها الفعل الذكوري والعقليّة المتزمتة، وأيضا لرأينا الفرق بين التحديث والحداثة، وبصورة عامة كيف صارت قضية المرأة الكاتبة منذ نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وحتى اللحظة التي نحياها تمثّل أزمة حقيقية، لا تنفصل عن كافة القضايا التي “تلاحق المرأة ككائن بشري له خصوصياته الحادة، وكذلك ككائن اجتماعي يراد السيطرة عليه بفرض القوانين، وتأويل النصوص الدينيّة ضده بكل الطرق للدرجة التي تصل إلى حدّ التسليع الرخيص لقيمة المرأة، وتحويلها إلى متاع يملكه الرجل والمؤسسة الدينيّة والسلطة السياسيّة” (شعبان يوسف، لماذا تموت الكاتبات كمدا).
شواهد كثيرة تؤكّد أن المثقف (الرّجل) على اختلاف انتماءاته الأيديولوجية، حَصَرَ المرأة في دائرة ضيقة، وأحكم حصاره عليها، حتى أنه صار بإمكانه أن يقرّر ما يَصْلُحُ لها، وما لا يَصْلُحُ، وهو ما يمثّل هيمنة ذكورية أو عنفا رمزيّا ضدّ المرأة الكاتبة فما بالنا بالمرأة غير المُتعلِّمة.
 فعباس محمود العقاد ينحاز للرجل بصورة سافرة، ويقصر الشعرية عليه، دون المرأة التي يستبعد أن تكون لديها القدرة على أن تكون شاعرة في الأصل، وإذا أصبحت شاعرة، فسوف تكتب في الرثاء مثلما فعلت الخنساء مع أخيها صخر، ومثلما فعلت عائشة التيمورية مع ابنتها توحيدة، وهما استثناءان نادران، وما عدا ذلك فلم تنجب الدنيا كلها على مدى تاريخها أي شاعرة ذات شأن، لأن المرأة لا تستطيع أن تتأمّل مثلما يفعل الشعراء، ولكنها – هكذا حسم العقاد – تصلح للقص والحكايات. “شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي” (صدر عام 1937).
العقلية التي لم تستوعب – من قبل – إمكانية أن يكون نقيضها أو نصفها الآخر يمتلك ذات الموهبة، وقادرا على الكتابة في ذات المجالات التي يدعّي فيها التفوق والريادة، نفس هذه العقلية لم تتقبل الأطروحات النقدية التي كسرت بها المرأة سكونية الإبداع، على نحو ما فعلت نازك الملائكة، في حديثها عن الشعر الحر، والذي بدأته مبكرا منذ أن نشرت قصيدتها الكوليرا عام 1947، وهو ما توجته بكتابها المهم والرائد “قضايا الشعر المعاصر” 1962، والذي درست فيه قضايا الشعر الحر دراسة مفصلة، ووضعت له عروضا كاملا، لكن أبت العقلية الذكورية هذا التفوق النقدي، فكيلت للكاتبة الاتهامات، وهوجم الكتاب هجوما شديدا، وسعى آخرون إلى سحب الريادة منها، ونسبها إلى الرجل، وكأن المسألة تختزل فيمن هو صاحب الريادة، وليس مسألة العقلية النقدية التي أنتجت هذه الأفكار التقدميّة، والتي تستحق الشكر والتتويج.
لا ينسى التاريخ الأدبي واقعة الاضطهاد التي مارسها الدكتور طه حسين ضدّ الرائدة النسائية درية شفيق، ووفقا لما سرد شعبان يوسف في كتابه “لماذا تموت الكاتبات كمدا” أنه “عندما تشكّلت لجنة الدستور عام 1954 برئاسة علي ماهر، قامت السيدة درية شفيق ومعها تسع سيدات أخر بالاعتصام في مبني نقابة الصحافيين، وأثار ذلك كثيرا من المنتصرين جدا لثورة يوليو، وعلى رأسهم الدكتور طه حسين، فكتب مقالا شديد اللهجة يوم 16 مارس في جريدة الجمهورية تحت عنوان العابثات”.
ويستمر شعبان يوسف في سرد وقائع هذه الحادثة التي أظهرت العميد في موقف المضطهِد للمرأة، بل تعامل مع مطالب هؤلاء المعترضات باستخفاف وصلت إلى الإهانة فقد تذرع العميد بأن “البلاد لا تحتمل في هذا المنعطف التاريخي أي قلاقل أو خزعبلات من هذا النوع”.
لكن سرعان ما ردّ عليه اثنان من كبار الكتاب والصحافيين في ذلك الوقت، وهما حسين فهمي وعميد الإمام، ولاما الدكتور طه حسين على ذلك المقال، وعلى هذا الموقف، وهو النصير الأوّل لحرية الرأي والدفاع عنها، فما كان من طه حسين إلا أن كتب مقالا آخر يوم 18 مارس تحت عنوان “العابثات 2″، أي أنه كان مصرّا على هذا الوصف، وكذلك على موقفه.
 ثم بعده ببضعة أيام كتب الكاتب الشاب أحمد بهاء الدين مقالا قصيرا تحت عنوان “الصائمات”، وفعل مثلما فعل عميد الإمام وحسين فهمي، وأوضح أنّ من حقّ النساء أن يعبّرن عن آرائهنّ، ووجّه كذلك اللوم إلى العميد، وفي العدد ذاته كتبت السيدة درية شفيق مقالا لتوضيح موقفها، وحقّها في اتخاذ الموقف الطبيعي من أجل إحلال حقوق النساء في الدستور الجديد، ولكن طه حسين لم يصمت، وكتب مقالا حادّا إلى درجة بعيدة، وكأن ثأرا بينه وبين أحمد بهاء الدين ودرية شفيق، والأدهى من ذلك أن هذا المقال كتبه على هيئة رسالة، وجهها إلى رئيس التحرير إحسان عبدالقدوس، وإمعانا في الإهانة لم يذكر اسم درية شفيق، ولا أحمد بهاء الدين، بل إنه أورد إشارة تعني بأن على كاتبة هذا المقال أن تبحث عن كاتب أفضل من الذي كتب لها هذا المقال.
يُعلّق شعبان يوسف على موقف الدكتور طه حسين ويراه أنه موقف عصبي، وقد “تضافرت فيه سلطته السياسية والأدبية والفكرية والذكورية الواضحة في أوصافه التي أطلقها على درية شفيق ورفيقاتها في الإضراب. انحاز طه حسين للسلطة السياسية وأبويتها الفجّة في رفض الوصاية، فما بالك من أنها جاءت من سيدات. وانحياز طه حسين ضد النساء وهن يعبرن عن أنفسهن وعن حقهن في الاعتصام والإضراب، بمثابة هدم لكل المبادئ التي نادى بها ودافع عنها، ويكفي موقفه مع سهير القلماوي التي ساندها ووقف إلى جانبها، وهو يكشف أن بعض الوصايا قد يأتي لإقناعه ولكنها مدفوعة من سلطة أعلى وهو واضح في حالة طه حسين الذي كان يهاجم من منطق السلطة، وليس من منطق الحق.
ما زالت الوصاية الذكورية تُمارس دورها في تكبيل المرأة، وتصدير الطاقة السلبيّة، فما حدث مع الروائية العمانية جوخة الحارثي بمثابة تعدٍّ صارخ على حق المرأة في الكتابة أولا أيّا كانت هويتها، وثانيا بمثابة اعتداء سافر على حرية المرأة في اختياراتها وحقها في ارتداء ما يتوافق مع قناعتها الشخصية أو انتماءاتها الدينيّة، فما إن أُعلن عن تتويج ترجمة روايتها “سيدات القمر” بجائزة المان بوكر الإنجليزية، حتى حُصر الفوز في دائرة ضيقة ومع الأسف بعيدة عن الواقع والحقيقة أيضا، فقد رأى البعض أن الفوز لارتدائها الحجاب، وليس لقيمة الرواية، وهناك مَن رأى أن النص المترجم هو الذي فاز بمعنى أن الترجمة هي التي “رتقت فتوق” النص العربي، وغيرها من آراء أظهرت حالات العفن التي عششت في العقلية الذكوريّة، وهي تتربص بالمرأة.
الفوز أشبه بهزة أظهرت الكثير من مكنون هذه العقول التي تتشدق بالمساواة، وتدعو إلى رفع الظلم عن إبداع المرأة، بل وتشيد بكتابات بعض الكاتبات. فانهالت الردود القاسية التي نفت الإبداع عن المرأة المحجبة، وهو ما عاد بنا إلى نفي الإبداع الشعري عن المرأة على نحو ما ارتأى العقاد من قبل، ولكن هنا نفى الإبداع برمته عن المرأة المحجبة، كما كتب الصحافي العراقي رضا الأعرجي بأن “المرأة المحجبة، لا يمكن أن تبدع في الأدب، شعرا أو قصة أو رواية”، وأكمل “هذا رأي شخصي لا يلزم أحدا، والهدف منه ليس النيل من العمانية جوخة الحارثي الفائزة بجائزة ‘أنترناشيونال مان بوكر” البريطانية المرموقة. كما لا أعني بذلك أن المرأة السّافرة مبدعة بالضرورة”.
تاريخ الاغتيال المعنوي للمرأة من السلطة الأبوية قديم، ومع الأسف راسخ ومتواصل، لم ينتهِ عند عصر بعينه، كما أنه لا يخضع لأصحاب الأيديولوجيا الدينيّة كما سعى البعض للترويج بالكذب، مستغلا موقفهم العدائي من المرأة بصفة خاصة، وإنما يشمل أيضا أصحاب الفكر اليساري وحاملي مشاعر التنوير، وهو ما ينبئ عن إدانة حقيقية للرجل أيّا كانت صفته أو أيديولوجيته؟ ومن ثم فعلى المرأة كي تكون حاضرة في المشهد، أن تتخلص من هذه الوصايا الذكورية المقيّدة، وتحرر ذاتها بعدم الوقف موقف المدافع دوما. فهل تنجح المرأة في هذا أم إنها تفضّل أن تضع نفسها في دائرة النحل، بردّ كل أزماتها إلى المُسبّب الاقتصادي الذي جعلها تابعة له بالضرورة؟ وهو ما يعود بنا إلى البنى الكبرى حيث الاقتصاد والدولة كانا سببيْن من أسباب خضوع المرأة للابتزاز في أعنف صوره، والوصايا في أخفها ضررا.

عن الكاتب

عدد المقالات : 1264

اكتب تعليق

الصعود لأعلى