انت هنا : الرئيسية » الواجهة » عالم مليء بالجنون!

عالم مليء بالجنون!

المهندس زيد عيسى العتوم

الاردن

اربد، جامعة اليرموك

zaid_atoom@yahoo.com

  عندما وصل أحد رواد الفضاء الى ذلك القمر المتجلّي أمامنا منذ بدء الخليقة, وبعد أن وطأت اقدامه المغامرة ذلك التراب المجهول, ادار ظهره بأن التفّ بكامل جسمه لينظر الى كوكب الأرض, وحدّق به ملياً عبر ذلك الفراغ الرهيب, وسأل نفسه بنفسه: تُرى لماذا نحمّل تلك الكرة المعلّقة أكثرَ مما تحتمل, لماذا لا نستطيع أن نتعايش معاً كأناس متحضرين, لماذا لا تغلّف الآمالُ الآلامَ فتطغى على نوازع الإنسان وهواجسه, ولماذا تجبرنا الاختلافات وويلات الحروب على نسيان كوننا في عالم واحد ليس أكثر, ثم لماذا تُطبق همجية الصراعات وبربرية المنازعات على قيم التعايش والتسامح؟!, ثم أكملَ مشواره دون أن يظفر بإجابةٍ تطفئ ظمأ إنسانيته الحائرة.

قبل بضعة أيام وفي العاصمة الفرنسية باريس, قام أحد الفتية بالانقضاض على معلم التاريخ في مدرسته, فقتله بقطع رأسه بسكين, بعد أن عرض رسوماً كاريكاتورية تسيء الى النبي محمد, ثم قام القاتل بالتغريد مهللاً ومكبراً لفعلته, ونشر صورةً للرأس بعد جزّه!, مذكراً العالم أجمع بما حدث قبل خمس سنين, عندما هاجم ملثمان اثنان مقرّ الصحيفة الساخرة شارلي ابدو في باريس ايضاً, فقتلوا واصابوا العشرات لنفس السبب, وهنا لا بدّ أن نتساءل وبإلحاح, وأقدامنا لم تبرح الأرض, وأذهاننا لم تهمل التاريخ أو تتناساه, هل نشر بعض الصور والرسومات المسيئة للنبي العظيم محمد من قبل بعض الجامحين او المارقين او حتى المهووسين إن شئنا الوصف, ستنتقص من عِظم ووزن ذلك الإرث الديني والحضاري الموروث والمتواتر منه وعنه؟, وهل عرف او سمع المدافعون “المفترضون” عن الإسلام والمسلمين, أن النبي محمد قد أمر يوماً بالقتل بدمٍ بارد, او بالتشويه والتنكيل وقطع الرؤوس لأكبر او أصغر الأسباب عبر سنين نبوته؟, وهل ينبري من يشاء لتفسير وتبرير ما يشاء وكما يشاء, فيطمس مبادئ العدل والرحمة والمحبة واحترام الحجر والشجر, ويوكل لنفسه إصدار وتنفيذ ما لذّ وطاب من الاحكام ؟, وهل ربح الإسلام ونجح المسلمون وتألقت “مظلومية” وشرعية وعدالة قضاياهم بقتل البعض وتقطيع أوصالهم ونحرهم!؟, وأين هؤلاء من أدبيات الحوار والمحاججة والموعظة الحسنة, ومقابلة الإساءة بالإحسان؟.

ليس ما جرى في باريس بالشيء الجديد, وليست ردة الفعل المريضة والمجنونة تلك بالشيء المبتكر, فقبل بضع سنين قام أحد الامريكيين بتجميع عدد من المصاحف مهدداً بحرقها, فقامت الدنيا ولم تقعد رداً على ذلك السفيه, وعمّت المظاهرات وتمدّدت المسيرات, وتعالت الهتافات ورُفعت الشعارات, وشُحنت النفوس وألهمت الطاقات صوب ذلك الأرعن, في الوقت الذي كانت فيه قضايا الأمة العربية والإسلامية المصيرية منها تحتاج جرعةً من ذلك الطوفان, ومن قبل ذلك إصدار فتاوى القتل والوعيد بحق الكاتب البريطاني سلمان رشدي, التي منحته شهرة لم يحلم بها أو يتوقعها, بدل تركه يعبث ويلهو بقلمه كما يشاء ويهوى, وبالنهاية سيكون مصير كتابه على أحد الأرفف المغبّرة ربما لا يأبه به أحد!.

عن الكاتب

عدد المقالات : 1264

اكتب تعليق

الصعود لأعلى