انت هنا : الرئيسية » الواجهة » بعد العاصفة (2016): دراما يابانية عائلية- شاعرية “أخلاقية” مؤثرة وحافلة بالذكريات والمؤشرات والحنين…

بعد العاصفة (2016): دراما يابانية عائلية- شاعرية “أخلاقية” مؤثرة وحافلة بالذكريات والمؤشرات والحنين…

مهند النابلسي

رأي اليوم

من اخراج “هيروكازو كوريدا” وقد تم عرضه في “نظرة ما” بمهرجان كان، وعرضه نادي شومان السينمائي في عمان بتاريخ 21/11/2017:

*يرتكز “هيروشي آبي” (ريوتا) على مجده الماضي ككاتب حائز على جائزة ادبية، ويبذر الأموال على القمار والمراهنات، وهو يكسب من عمله كمخبر خاص، ولكنه يدعي انه لا يملك نفقات اعالة ابنه الطفل، ويسعى جاهدا تجميع اموال اضافية بواسطة تقديم خدمات خاصة للعملاء في وكالة المباحث الخاصة مع ابتزازهم أحيانا، كما يعرض عليه كتابة سلسلة “المانجا” الشهيرة بالتعاون مع فنان متخصص، ولكن طموحاته الشخصية تقف عائقا امامه…

*وبعد وفاة والده، تنشغل والدته الأرملة (كيرين كيكي) بحياتها وهواياتها مع صديقاتها المسنات المحليات والجارات، ويجد “ريوتا” شقيقته “تشيناتسو”  تزور منزال والدتهما في معظم الأحيان، فيشتبه بانها تحاول استنزافها ماليا لتغطية تكاليف دروس تزلج ابنتها، والطمع في معاشها التقاعدي، كما تشكو الشقيقة بدورها من كثرة زياراته لنفس الغرض.

*كما يحاول ريوتا العودة لزوجته السابقة كيوكو (يوكو ماكي)، التي لا تسلطفه وتعبت بدورها من فشله المستمر وعجزه عن دفع نفقات طفلهما، فتهدده بوقف السماح له بقضاء بعض الوقت مع ابنه الصبي شينغو (تايو يوشيراوا)، ويدرك ريوتا أن لكيوكو صديق جديد لا يستسيغه اطلاقا كما انه يتلصلص على علاقتهما، ويخشى من أن زواجها مرة اخرى سيحرمه من علاقته الوثيقة مع ابنه “شينغو”.

*وفي ليلة صيفية عاصفة، وأثناء تواجده في منزل والدته مع عائلته، يحاول ريوتا مرة اخرى استعادة السيطرة على وجوده وكيانه العائلي لايجاد مكان دائم له في حياة ابنه الصبي شينغو، ثم تبدي زوجته السابقة قلقها من هذه العلاقة، مبررة أن الحب وحده لا يكفي، وأن هناك ضرورة لوجود تخطيط، وان ريوتا لا يصلح لأن يكون رجل اسرة يعتمد عليه، فيفهم ريوتا بحساسيته هذه الرسالة الخطيرة، ولكن الأب بالمقابل يبدو متمسكا ومتعلقا بابنه لأبعد الحدود ويشتري له حذاء تزلج باهظ الثمن بعد ان يخدشه بقصد لكي يخفض سعره، كما أن انغماس الام في علاقة عاطفية جديدة لا يجعلها بريئة ومسؤولة ومؤهلة للوم ووعظ الأب (كما ظهرت في الشريط)، فيما يستغل الأب العاصفة بذكاء كفرصة للربط وتوثيق علاقته مع ابنه الصبي، مسترجعا ومكررا تجربة مماثلة لا تنسى مع ابيه الراحل، عندما اضطرا  في وقت ما للذهاب لملجأ في الملعب المحلي، للنجاة من عاصفة صيفية عاتية، وعندما تهدا العاصفة بصبيحة اليوم التالي، يعودان لاستئناف حياتهما بعد ان توثقت علاقتهما نوعا ما، وان كانت مطلقته ما زالت تطالبه بالحاح بدفع النفقة المتراكمة عليه بفضل تبذيره للنقود!

*حصل هذا الفيلم على ثناء النقاد بنسبة مرتفعة تتجاوز ال95%، وتلخص الاجماع النقدي بنص يشير لعبور الفيلم للخطوط الثقافية، ليقدم ملاحظات خالدة حول مسؤوليات الوالدين والروابط والقدرة على التسامح والغفران، كما وصف الفيلم بأنه دراما عائلية، ذات نكهة يابانية كلاسيكية بسيطة وممتعة وواقعية.

*يجمع هذا الشريط اللافت مابين الكوميديا اللطيفة والشاعرية والحنين للذكريات والواقع الحياتي الكئيب، الذي يكشف حيوات الناس وطبيعتهم، وهو يؤكد على أنه “لا يمكن للمرء أن يحصل على الحياة التي يريدها أو أن يكون ما يريد أن يكون”، كما انه يلتقط بمهارة “الديناميكيات” العائلية، ويحمل كما كبيرا من الوعود المكسورة والأحلام الصعب تحقيقها، وينجح المخرج بادخل سحر مدهش لقصته بشكل انسيابي متماسك يعالج فيه ادق التفاصيل ويربطها بسياق القصة، حتى يصبح من الصعب التمييز ما بين اليومي الواقعي والعميق القدري!

*ويترك لنا “هيروكازو كوريدا” مساحة كافية للتعامل مع المواقف مقاوما المبالغات الميلودرامية، ويدخلنا تدريجيا بذوق سردي في خصوصيات شخصياته دون اللجؤ للأحكام الجاهزة، ويجمع بدقة ما بين روح الدعابة وحقيقة الدوافع التي يعالجها، وأخيرا فهو يستخدم كما كبيرا من الشفافية، التي تسمح بكشف كافة الاتصالات والحوارات بلا تكتم واخفاء، محدثا نوعا من التماثل  بين الممثلين والشخصيات السينمائية، وهذ بالحق مهارة فريدة تستحق التنويه، وتجعل الفيلم يعلق بالذاكرة بعد مشاهدته: تتحدث الام العجوز بأسى عن  ذكرياتها مع والده الراحل، وتخيره نظريا ما بين تحمل هرمها وعجزها او ان تموت قريبا لتظهر له في الأحلام او كفراشة جميلة تتبعه، وفي لقطة مبكرة معبرة تتحدث لابنها عن فراشة لاحقتها أثناء مسيرها في الحي السكني قبل ان تختفي وكأنها تحمل روح زوجها المتوفي حديثا، ثم تصدح اغنية جميلة في اللقطات الأخيرة تتحدث عن عمق الماء وزرقة السماء، فتتسائل الام انها لم تتعمق ابدا في الحب، ثم تتحدث عن زوجها الراحل فتشير بحسرة بانه لم يعي هدفه من الحياة، ربما في اشارة غامضة لتماثل الابن الروائي التائه مع أبيه (وراثيا)، وبعد ان تنهي الام منولوج متدفق من الذكريات والحكم تدعو ابنها الكاتب لكي يسجل الأفكار حتى لا ينساها كما تشكو له من أرقها احيانا فينصحها بتناول الحبوب المنومة عند الضرورة، ويظهر هنا تدخل “الكاتب والمخرج” الذي يضع هواجسه على لسان ابطاله، وبالفعل ينزوي “ريوتا” ويسجل الأفكار على عجل، وقد تناسى الكثير من النقاد هواجس وأسرار العلاقة الوثيقة ما بين الجدة وابنها الكاتب وركزوا اكثر من اللازم على العلاقة المتداعية مع مطلقته…وفيما يبحث “ريوتا” في مخلفات أبيه المخفية يجد “محبرة” قديمة قيمة، ويبيعها لمحل الرهانات، قبل أن يستخدمها للتوقيع على روايته الشهيرة (التي سبق ونالت جائزة ادبية رفيعة) لاهداء الكتاب الذي أعطاه ابيه لصاحب المحل العجوز، والذي اخبره ان والده قد افتخر بانجاز ابنه الابداعي حينئذ واشترى نسخا من الرواية ووزعها على الجيران مجانا في الحي (دون ان يعرف ابنه بذلك)، كما يكشف له ابنه أن جده “الراحل” قد صارحه يوما ما بعدم محبته لأبيه “ريوتا”، فيوضح ريوتا السبب بشجار حدث بينهما، وتستغل الام هذه العزلة الاضطرارية فتنغمس الام المسنة في علاقة جديدة متسامحة مع زوجة ابنها فتتحدثان عن الحياة والعمل والمهنة، وتقارن خط يدها الردىء (الذي اورثته لابنها) مع خط “كيوكو” الجميل اللافت!

*تظهر في الفيلم علاقة اليابانيين مع البيئة والطبيعة والطعام الذي يمثل جزءا هاما من الثقافة اليابانية اليومية، كما نعاين نمط حياتهم وتوفيرهم للمال (بتناول المثلجات المنزلية الرديئة الطعم والاكتفاء بهامبرغر واحد للطفل فقط)، كما بطريقة تعاملهم المهذبة والمتواضعة مع الآخرين والأشياء ورهافة مشاعرهم ونظافة شوارعهم وأحيائهم (عكس واقع مدننا العربية البائسة)، كما يلعب الاعصار الاستوائي دورا اساسيا في اعادة روابط الاسرة المتفككة، فالجدة الطيبة تمتدح الاعصار لأنه ينعش النفوس (فالشمس تشرق دائما بعد الاعصار)، وبالرغم من انه تسبب ب120 اصابة لاحقا الا أنه قد ساعد رب الاسرة في اعادة توثيق علاقته مع ابنه ومطلقته وأضاء بصيص الأمل الذي كان يفتقده، وخاصة عندما حشر الثلاثة في الاسطوانة الضخمة في الحديقة العامة المجاورة، كما لعبت الجدة “الحماة” دورا كبيرا بتحفيز العلاقات واحياء الحنين الاسري، وفي مشهد معبر نراها تعطي ابنها “ريوتا” قميصا ابيضا مكويا من مخلفات والده الراحل فيما ادعت كذبا في البداية انها تخلصت من كل مخلفاته…كما يتحدث الفيلم عن اشكالية التعامل مع الابناء عندما توبخه والدته “كيوكو” لاحضاره قهوة معلبة وشربها أثناء تواجدهم داخل الاسطوانة المعدنية بانتظار انقضاء الاعصار: أحيانا تعامليني كطفل وأحيانا كبالغ!

*وفي اللقطات الأخيرة، يحاول “ريوتا وكيوكو” التوصل الى تفاهم ما، حتى عندما تتعارض نواياهما مع بعضهما البعض، حيث يبدوان كخيالات المرآة، ثم تحدث نقطة التحول عندما يجبر الاعصار كل من كيوكو، شينغو وريوتا، للبقاء في منزل والدته…وبعيدا عن الميلودراما المتوقعة هنا، تعود الشخصيات لتبني “النزاهة والشجاعة”(وربما هذه صفة يابانية أخلاقية عامة)، لتواجه أعمق التمنيات الصعبة التحقيق…واعتقد ان هذا الشريط  يعتبر ربما نموذجا للمعالجات الدرامية العائلية “الصعبة والمتداخلة والواقعية”، واخيرا لو اردنا تقييم أداء الممثلين الرئيسيين بالتسلسل لوجدناه كما يلي: الأب-الجدة-الطفل-الشقيقة ثم زميل الأب في العمل، وصديق الزوجة الجديد، أما اداء الزوجة فقد كان بالحق “ضعيفا وهزيلا” ولم يكن ندا لأداء الشخصيات الرئيسية مما اضعف قوة السرد في اعتقادي!

باحث وناقد سينمائي

mmman98@hotmail.com

تنويه: لقد قصدت أن استرسل هنا بوصف الكثير من التفاصيل التي وردت في هذا الشريط اللافت لكي ابين أنه من الضروري للناقد السينمائي الحصيف أن يتعمق بفطنة في احداث الفيلم وان يستخدم قوة الملاحظة ليكتشف الخفايا والايماءآت والسلوكيات التي تشي ببواطن الأحداث ووقائع المجريات وطبيعة الشخصيات والمغزى السردي، وأن لا يعتمد كثيرا على الملخصات والكليشيهات الجاهزة التي لا تفصح الكثير وقد تكون مضللة وغامضة وعامة بل وسطحية أحيانا وذات طابع دعائي ترويجي لاغير!

عن الكاتب

عدد المقالات : 986

اكتب تعليق

الصعود لأعلى