انت هنا : الرئيسية » الواجهة » النظرية النسوية واللغة العربية

النظرية النسوية واللغة العربية

ليون برخو – ” وكالة أخبار المرأة

الدعوة إلى منح المرأة حقوقها كاملة حالها حال الرجل دعوة نبيلة وشخصيا إنني من أشد المدافعين عنها. وأن تصبح هذه الدعوة مثار نقاش وسببا لتشريعات تنصف المرأة في البلدان العربية، فهذا لعمري فاتحة عهد طال انتظارنا له. ويخطئ من يقول إن المرأة قد حصلت على حقوقها كاملة، حتى في أكثر دول العالم رقيا وتمدنا. ولا حاجة لي للاستشهاد بما تنقله الصحافة العالمية من ممارسات كانت وما زالت المرأة ضحية لها في الغرب. ورسالة اليوم لن تنصف “النظرية النسوية”. هذه النظرية أخذت حيزها وأشبعت نقاشا وبحثا وصار لها فروع ومقررات خاصة وشهادات عليا وكراسي جامعية شأنها شأن أي علم آخر. وأخذت النظرية هذه مداها في أغلب العلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها. والنظرية التي في جوهرها تدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة صارت المرشد والهادي للحركات النسوية في العالم. وما أصبو إليه اليوم ليس تقديم شرح لهذه النظرية. ما أود الوصول إليه هو عندما يصبح الإطار النظري لمفهوم فكري وفلسفي وإنساني مثل “النظرية النسوية” المرشد الذي نستدل به على الممارسة الصحيحة أو الأخلاقية ضمن الواقع الاجتماعي الذي نعيشه. في الغرب، كان ولا يزال للحركات النسوية وكذلك لـ “النظرية النسوية” تأثير بالغ ليس في الدراسات الأكاديمية فحسب بل تقريبا في كل مناحي الحياة. وما يسترعي نظري كثيرا ـــ وهذا ما خصصت له فصلا كاملا في كتاب عن الأخطاء التي قد نقع فيها عند الكتابة في اللغة الإنجليزية ـــ هو الأثر الواضح والبين الذي تركته “النظرية النسوية” والحركات النسوية على طريقة استخدام المفردات والعبارات التي تشير إلى المذكر والمؤنث في اللغة. في الإنجليزية تقريبا كل أسماء الجنس مثل “تلميذ، معلم، شرطي، أستاذ، وزير” ليست بالمذكر والمؤنث، أي محايدة، تستخدم للجنسين سوية، عدا استثناءات قليلة. والضمائر بالإنجليزية، عدا “هو وهي” تشير إلى المذكر والمؤنث سوية. وتحت التأثير أو بالأحرى الضغط الهائل لمناصري “النظرية النسوية” وتفرعاتها، بتنا اليوم نحن المختصون في اللغة الإنجليزية في حيرة من أمرنا، لأننا بالكاد نلحق التغييرات التي تحدث في طرائق الإشارة إلى ما يعود للرجل أو المرأة. هناك اختراع لمفردات وتراكيب جديدة. ولكن ما يثير الدهشة هو تراجع الرجل “بمعنى ما يخصه لغويا” أمام المرأة “بمعنى ما يخصها لغويا”، وبتنا نغمط حق الرجل لغويا كي نرضي المرأة بمنحها ما لا تمنحه إياها اللغة أساسا. وتحضرني عشرات الأمثلة ولكن أكتفي بالقول إنه صار لزاما اليوم أن نستخدم ضمير التأنيث “هي” عند الإشارة إلى مفردة “معلم” بالإنجليزية عندما يكون المعنى المقصود الجنسين سوية. كانت هذه ربما مقدمة طويلة ولكن حسب وجهة نظري مهمة لأنه برزت أصوات تدعو إلى مساواة الرجل بالمرأة في اللغة ووصل الأمر إلى التجاوز على السليقة التي تأتي فيها. وصرنا قاب قوسين أو أدنى لظهور نظرية مضادة لـ “النظرية النسوية” حيث يرى بعض الرجال اليوم في الغرب أن المرأة بدأت تتجاوز على ما هو حق للرجل كما كان الرجل يتجاوز على حقوقها في السابق. ولكن لندع ذلك إلى رسالة في المستقبل القريب ونعود إلى لب الموضوع. البيئة والواقع الاجتماعي يشكلان اللغة واللغة تشكل الواقع الاجتماعي. العلاقة جدلية بين الاثنين ولا أظن في إمكاننا استثناء أي لغة من هذا التأثير المشترك والمتبادل. ولكن أن تقتفي اللغة العربية اللغة الإنجليزية ظنا من بعض مستخدميها أنهم بذلك يسعون إلى المساواة بين الرجل والمرأة عملا بمبدأ “النظرية النسوية”، فإنني أرى أن هذا المسعى يرقى إلى هجوم على لغة الضاد وتجاوز على ما تحمله من إرث ليس في بناه اللغوي من نحو وصرف أي انتقاص للمرأة. القرآن الكريم يخاطب المؤمنين وكذلك المؤمنات ويستخدم عبارة “أيها الناس” للدلالة على الجمع بين الأجناس والجنس. فما لي أرى أن قريحة بعض الكتاب والمفكرين العرب قد تفتحت أخيرا إلى درجة أنهم يستنكفون مثلا إطلاق مفردة “وزيرة” أو “رئيسة” أو “مديرة” أو “عميدة” على النساء اللواتي يحملن هذه الوظائف، مفضلين أسماء الجنس المذكرة مثل “وزير” أو “رئيس” أو “مدير” أو “عميد”. وهناك من بدأ يقلد الإنجليزية في المخاطبة فمثلا بدلا من “ارسم” يكتب “ارسم/ي” في ظنه أنه يسعى إلى المساواة بين الجنسين. التلاعب باللغة العربية من خلال تقليد ما لدى لغات أخرى تختلف عنها سلالة وثقافة وبيئة إضافة إلى البنى النحوية والصرفية يعد في نظري تجاوزا خطيرا هدفه اللغة العربية ذاتها، الدعامة الأخيرة التي بقيت للعرب لمعرفة أنفسهم ومن هم وما هويتهم. التحجج بالمساواة ومبادئ “النظرية النسوية” لا معنى له غير الهرولة صوب ما يراه هؤلاء أنه حداثة ولكن ليس إلا قشورا ومؤشرا للتخلف. المساواة ممارسة وعمل وموقف وليس التلاعب بلغة تعد الوحيدة في الدنيا التي حفظت لناطقيها نفسها وعذريتها منذ أن نزل الكتاب بحروفها وأصواتها وإلى يومنا هذا.

عن الكاتب

عدد المقالات : 1013

اكتب تعليق

الصعود لأعلى