انت هنا : الرئيسية » الواجهة » سامي قرّة: من سأكون؟ من سأكون؟ قراءة في رواية هذا الرجل لا اعرفه لديمة جمعة

سامي قرّة: من سأكون؟ من سأكون؟ قراءة في رواية هذا الرجل لا اعرفه لديمة جمعة

  • سامي قرّة

رأي اليوم

كنت كلمّا طويت صفحة كي أنتقل إلى الصفحة التي تليها في رواية “هذا الرجل لا أعرفه” الصادرة عام (2018)عن مكتبة كل شيء الحيفاوية للروائية المقدسية المتميزة ديمة جمعة السمان أتساءل: إلى أين يريد أن يأخذنا الراوي وحيد؟ وكيف ستنتهي حكايته مع حبيبته منى؟ وهذه الحيرة لا تصاحب القارئ فحسب، بل هي أيضا تصيب جميع افراد عائلة آل سالم بالحيرة والارتباك. ويبدو أن العلاقة بين وحيد ومنى هي المحور الذي تدور حوله الأحداث، وهي المحرّك الذي يتحكم بسلوك وحيد وتصرفاته ويحدد علاقاته مع الآخرين.

تتميز رواية “هذا الرجل لا أعرفه” بأنها تحتوي على مستويين من المعنى، المستوى الحرفي والمستوى المجازي. فعلى المستوى الحرفي نقرأ قصة وحيد آل سالم الشخصية الرئيسية في الرواية وكفاحه من أجل استرجاع أمجاد عائلة آل سالم، فنراه يفتتح مؤسسته الهندسية ويحقق نجاحا باهرا في أعماله، ويتلألأ اسمه كأحد كبار رجال الأعمال في وطنه، وفي النهاية بعد سلسلة من الأحداث الدرامية يصبح رئيسا للبلاد. يقع وحيد في غرام منى لكنه يتردد في الزواج منها، وفي النهاية تتزوج منى من ضابط في الجيش اسمه عادل الذي يلاقي حتفه غرقا، ومن ثم تتزوج من أحمد وهو مهندس زراعي يعمل مع منى، ويقوم فارس الأخ البكر لأحمد بقتله وإلقاء جثته في البئر. أمّا وحيد فيتزوج من شابة جميلة اسمها ناهد تعمل صحفية، وتجتهد حتى تصبح وزيرة الخارجية. وتتسم العلاقة بين وحيد وناهد بالغيرة والشك والنقد المتبادل لا سيما في ظل النجاح الذي تحققه ناهد. وعلى الرغم من زواجه من ناهد يبقى وحيد يتردد على بيت منى ويذكرها بالحب الذي مضى، ويحاول إحياءه من جديد، غير أن منى تصدّه وتذكره بأنها متزوجة وأن لها أولاد. لكن حبّه لمنى وبُعدها عنه يعكّر صفو حياته مع زوجته ناهد، ويسيء كثيرا لعلاقته مع أفراد أسرته خاصة فارس الذي دائما يميل إلى التحيز مع ناهد. إضافة إلى ذلك، نرى أن وحيدا مهووس بحب منى حتى أنه يتناسى الوعد الذي قطعه على نفسه باسترجاع عظمة آل سالم، فيعيش تائها، ويكاد يخسر أعماله ويقضي على جميع إنجازاته. وهذا ما يتنبه له أخوه فارس، ولذلك يقتل أحمد زوج منى ويقوم بوضع السم لها من أجل قتلها حتى يتمكن وحيد من الحصول على منى وإكمال مسيرة العائلة. لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن؛ لأن منى ترفض في النهاية الزواج من وحيد على الرغم من تهديده لها وترحل عنه؛ لأنه بالنسبة لها أصبح رجلا غريبا لا تعرفه.

أمّا المستوى المجازي للرواية فينقلنا إلى واقع أليم، هو واقع الوطن العربي وما يعيشه من مآس وصراع. تمثل عائلة آل سالم وما يعتريها من صراعات داخلية الواقع السياسي كما نشهده اليوم في عالمنا العربي. فبالإضافة إلى الصراع على الأرض الذي نقرأ عنه في رواية “غفرانك قلبي” هناك صراع على السلطة. (ونحن نعلم أن الكثيرين من الحكام العرب في عدد من الدول تميزوا بقسوتهم وديكتاتوريتهم الكبيرة التي تسبب في إزهاق أرواح الآلاف من أجل المحافظة على كرسي الحكم، وإحكام القبضة على مقاليد السلطة في البلاد.) تحاول عائلة آل سالم الحفاظ على مكانتها الاجتماعية والاقتصادية بشتى الوسائل منها عن طريق العلم وعن طريق الانخراط في الأعمال التجارية، كما يفعل الابن الأصغر كريم وإلى حد ما وحيد، أو الالتحاق بالجيش كما يفعل فراس، أو عن طريق شراء الأراضي وفلاحتها كما تفعل الأم فاطمة، أو عن طريق الالتحاق بالحكومة كما يفعل وحيد في نهاية الرواية.

تمثل عائلة آل سالم الدولة الواحدة التي تعيش بسلام وأمن حتى ظهور قوة خارجية تعكر صفوها وتخلق اضطرابا في داخلها، وتحدث انشقاقا بين أفرادها. (نرى ونسمع ونقرأ كثيرا في الآونة الأخيرة عن التدخل الأجنبي في القضايا الداخلية لبعض الدول العربية، وأيضا عن الانقسامات الداخلية في الوطن العربي لأسباب طائفية أو عرقية أو قبلية أو مصلحية أو سياسية ودينية أو أيديولوجية، وهذه كلها تؤثر على العلاقات بين الدول). هذه القوة تتمثل في ناهد، فمنذ اللحظة الأولى التي تنضم فيها ناهد إلى عائلة آل سالم تبدأ العائلة في التهاوي والانزلاق نحو التشرذم والانشقاق، فنرى وحيدا يتشاجر مع أخويه كريم وفارس، ونرى فارس ينضم إلى صف ناهد، كما تحدث خلافات بين وحيد وأمّه، وهكذا تنهار وحدة العائلة كما تنهار وحدة الدولة العربية الواحدة. يصرخ وحيد في وجه ناهد: “أنت السبب في كل هذا .. أغربي عن وجهي .. أنت الفتنة وسبب الانقسام” (ص 138). فكل فرد من أفراد العائلة يعمل لمصلحته: فارس لتحقيق القوة والجبروت والسمعة في الجيش، ووحيد لتحقيق قوة اقتصادية وسياسية قد تساعده في تحقيق الوعد الذي قطعه على نفسه كي يحافظ على عظمة عائلته، وحتى ناهد القادم الجديد إلى العائلة تعمل من أجل نفسها وتحقيق شهرة لنفسها بوصفها وزير للخارجية. وهكذا يصبح التنافس الصبغة التي تميز العلاقة بين أبناء العائلة أو أفراد الدولة الواحدة، كما يصبح مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” هو المبدأ السائد الذي عن طريقه يحاول أفراد العائلة وخاصة فارس تحقيق مآربهم على الرغم من معارضة وحيد الآنية له؛ لأنه في النهاية يشعر بسعادة كبرى “في وصول آل سالم إلى سدّة الحكم، واسترداد السؤدد والمجد” (ص 202). حتى أن القتل يصبح من الوسائل التي يلجأ إليها الفرد لتحقيق غاياته. يقتل فارس أحمد وناهد، وقبله يفكر وحيد في قتل أحمد ويقول في نفسه: القاتل يُقتل .. وقد قتلني هذا الرجل .. أقتله .. أقتله .. أقتله” (ص 183).

وحيد وهاملت

تذكرني شخصية وحيد بشخصية هاملت. سأجازف قليلا وأحاول فيما يلي أن أبيّن أوجه الشبه والاختلاف بين شخصية وحيد وشخصية هاملت.

في نهاية رواية “غفرانك قلبي” يتساءل وحيد في حوار مع نفسه: “من سأكون؟ من سأكون؟ هل سأكون عظيما مثل أبي وجدّي .. هل سأتبع الحب ونداء قلبي؟” يتردد في تساؤل وحيد صدى ما يقوله هاملت في مناجاته الشهيرة: “أكون أو لا أكون؟” وكلتا الحالتين تعكسان الصراع الداخلي العميق الذي يعيشه كل من الشخصيتين. وفيما يتأمل هاملت الانتحار والأسباب التي تدعوه لعدم قتل نفسه والاستمرار في الحياة، يقرر وحيد العيش والبقاء حيًا لكن بأيّ صفة وكيف؟ فهو أمام اختيارين، هل يصبح عظيما مثل ابيه وجده أو يتبع قلبه ويتزوج من منى ويصبح زوجا وأبا “لا يتعدى طموحه الحصول على لقمة العيش” (غفرانك قلبي، ص 196). يختار وحيد أن يصبح عظيما وبالفعل يحقق طموحه لكن على حساب علاقته مع منى.

وحيد شخصية مترددة دائمة التخبط وتائهة. يتأمل وحده في مسيرة حياته ويقول: “قصتي مع منى ..هل لها بقية؟ هنيّة أم شقية؟ أمّ أنني أعيش  دوّامة في بحر الضياع، مشواري محصور بين السطح والقاع؟ تهت مع نفسي” ( ص 28). وحيد لا يملك شجاعة كافية كي يتخذ القرار وهذا واضح من طبيعة علاقته مع منى وناهد. فهو دائما يؤجل ارتباطه بمنى، كما أنه لا يستطيع أن يحدد ما هي طبيعة علاقته من ناهد؟ وما إذا يريد الاستمرار معها أم لا؟ هو ليس طائشا لكن عواطفه تتحكم فيه وليس عقله. وكذلك الأمر بالنسبة لهاملت. من ناحية، لا يقوم هاملت بأيّ عمل ضد عمّه كلوديوس؟ لأنه ليس متأكدا من أن عمّه قتل أباه بالتواطؤ مع أمّه، ومن ناحية أخرى لا يستطيع هاملت أن يحدد طبيعة العلاقة التي يريدها مع أوفيليا. وحيد يستغل ناهد عاطفيًا كما يستغل هاملت أوفيليا. ناهد تموت في النهاية وكذلك تنتحر أوفيليا. فكلتا المرأتين ضحيتا رجلين يتصفان بالأنانية والتلكؤ والنرجسية. تقول منى لوحيد بغضب: “أنت مريض بالنرجسية .. الغرور والسيطرة وحب التملك” (ص 59)، وتتذمر ناهد منه وتقول: “آه من نرجسيتك التي تجعلك ترى كل عمل أمام أعمالك صغيرًا حقيرًا” (ص 74).

يسعى وحيد إلى الانتقام من أحمد زوج منى الثاني وإلى حد ما من ناهد؛ لأنه يشعر بضعف نحوها، وبالمثل يسعى هاملت إلى الانتقام من عمّه؛ لأنه قتل أباه. يحث شبح الملك هاملت الابن هاملت على الانتقام والثأر لمقتله. والانتقام من المواضيع الهامة في رواية “هذا الرجل لا أعرفه”؛ لأنه يصبح أداة في تحقيق الأهداف التي يرجوها الفرد، ولهذا السبب يقتل فارس أخا وحيد أحمد زوج منى وناهد. يفكر وحيد بالانتقام من ناهد ويقول في نفسه: “العذاب يحاصرني .. أريد أن أنام .. ولكن كيف وراحتي لا تكون إلا في الانتقام” (ص 175).

يتحكم الماضي بمصير وحيد كما يتحكم والد هاملت وشكواه من أنه قُتل على يد أخيه وزوجته بهاملت. يقول وحيد: “ما أصعب أن يكون الإنسان لبنة  يشكلها الماضي بيد الأحلام! فيذهب به إلى عالم  من الأوهام .. ويتوه بين الواقع والخيال” (ص 29). بل أن وحيد وهاملت يفقدان البصيرة والعقلانية بسبب تعلقهما بأحداث جرت في الماضي. ولا ننسى أن كلمة “الماضي” تتكرر كثيرا في الرواية، فالماضي إلى حد ما يسيطر على وحيد كما يسيطر شبح الملك هاملت وشكواه على هاملت الإبن.

استمتعت كثيرا في قراءة رواية “هذا الرجل لا أعرفه”، فهي رواية مكتوبة بأسلوب سلس جذاب وتعالج مواضيع عدة، شخصياتها معقدة وأحداثها رمزية تخضع إلى العديد من التفسيرات. الرواية كتاب مفتوح أمام القارئ لقراءته وتفسيره وإعطائه المعنى الأدبي الذي يراه مناسبا لكل وجهة نظره.

عن الكاتب

عدد المقالات : 1013

اكتب تعليق

الصعود لأعلى