انت هنا : الرئيسية » الواجهة » ابن السَرَّاج والجَميلَة شَريفَة قِصَّة حُبّ رومانسيّة من زَمَان الوَصْلِ بالأندَلسِ

ابن السَرَّاج والجَميلَة شَريفَة قِصَّة حُبّ رومانسيّة من زَمَان الوَصْلِ بالأندَلسِ

 

مدريد – محمّد محمّد الخطّابي

تندرج قصّة ” ابن السرّاج والجميلة شريفة ” Abencerraje y la bella Charifa)  (في سياق القصص التي غالباً ما  تُحكىَ، وتُروىَ فى أيّ وقت، وحين، وزمان، ومكان ،وعصر، ومصر، هذه القصّة الرومانسيّة،الموريسكية، الأندلسية الحالمة التي تذكرنا بالوفاء بالعهد فى زمنٍ كان العهد فيه لا يُنكث، قصّة تتغنّى بالحبّ،وللحبّ فى أجلىَ، وأنقىَ ، وأصفىَ وأوسع معانيه الحميدة ..!

من أشهر،وأطرف،وأظرف القصص الرومانسيّة عن الحبّ ،والعشق، والنّسيب، والتشبيب، والغزَل، والتّيم، والهُيام، والصّبابة، والجوىَ التي تلاقفتها الأجيال في شبه الجزيرة الإيبيرية على وجه العموم، وفى الأندلس على وجه الخصوص تلك التي نجدها مبثوثة بين دفّتي  كتاب أندلسي كان مُدرجاً ضمن مقرّرات بعض المناهج الدراسّية للتربية والتعليم ليس فى إسبانيا وحسب، بل وفى بعض بلدان أمريكا اللاّتينية الناطقة بلغة سيرفانتيس كذلك ،النسخة التي في حوزتي من هذا الكتاب إقتنيتها فى العاصمة الكولومبية بوغوتا إبّان عملي بها، وهو يحكي قصّة “ابن سرّاج والفاتنة شريفة”،  ويصوّر،أو ينقل لنا  في نفس الوقت صفحاتٍ مُشرقةً عن الوجود العربي- الأمازيغي في الزمن الأندلسي الجميل لمؤلفه ” أنطونيو دي فيغاس″. ما فتئ الإسبان، وغير الإسبان يتهافتون على هذا الكتاب إلى يومنا هذا ، وما زالت دُور النّشر سواء في إسبانيا أو في مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية تعيد طبعَه، وإصدارَه ،ونشرَه في حللٍ قشيبةٍ ،وهندامٍ بديع، ورونقٍ رفيع، تعلوه صُور خيالية، تعبيرية، رومانسيّة جميلة…

تشير معظمُ المراجع العربية والإسبانية على حدٍّ سواء أنّ واضع  مخطوط هذا الكتاب الرّومانسي الطريف لا يُعرف تاريخ مولده ، ولا تاريخ مماته ، حتى وإن كانت بعض المصادر ترجّح أنّه ربّما يكون قد توفّي عام 1577، إذ في عام 1565 كان قد نشر”أنطونيو دي فيغاس″ في مدينة  ” ريّال كامبو “، كتاباً فريداً في بابه جمع فيه قصائدَ، وحكاياتٍ تشكّل قصصاً طريفة عن الحب، والعشق، والهوى ،وقد نال مؤلِّف هذا الكتاب شهرةً واسعةً فى الأندلس، وفى مختلف حواضر، ومدن، ومداشر،وعشائر، وبقاع، وَضِيَعْ، وأصقاع شبه الجزيرة الإيبرية  في القرن السّادس عشر .

قصص وحكايات وأساطير

يؤكّد المؤرّخون أنّ قبيلة بني سرّاج هي إحدى القبائل التي تنحدر من  المغرب التي كان لها شأن كبير وبارز في مملكة غرناطة في القرن الخامس عشر. ويُقال إنّها تُنسَب إلى يوسف بن سرّاج رأس القبيلة في عهد محمد السّابع، وقد أورد هذه الكلمة الباحث الدكتور “عدلي طاهر نور” في معجمه القيّم  “كلمات عربية في اللغة الإسبانية ” ، وما زالت هناك عوائل تحمل هذا الإسم في العديد من المدن المغربية في المقام الأوّل، ولعلّه موجود كذلك ولا شكّ، في الشقيقتين الجزائر، وتونس، وفى السائر بلدان العربية الأخرى إلى يومنا هذا .

ويشير الدكتور عدلي طاهر نور أنّ هذه الحقبة اشتهرت فى تاريخ الأندلس بالصّراع الدامي الدّائر بين الملوك، و بين الأسر القويّة من ناحية، وبين تلك الأسر فيما بينها، خصوصاً  بين أسرتيْ بني سرّاج وبني الثغري من ناحية أخرى ، و كان النزاع الأخير من أسباب التعجيل بسقوط غرناطة.

و أمّا الباحث الكبير، والمؤرّخ الجهبذ محمد عبد الله عنان ،صاحب الموسوعة الضّخمة ( دولة الإسلام في الأندلس)  فيشير من جهته إلى :” أنّ أصلهم يرجع حسبما يشير المقرّي الى (مذحج وطيّ )، وهي من البطون العربية التي وفد بنوها إلى الأندلس منذ الفتح الإسلامي، وكان منزلهم في مدينتي قرطبة ، ومُرسية ، بيد أنّهم لم يظهروا في مسرح الحوادث في تاريخ إسبانيا إلاّ في مرحلته الأخيرة،أعني في تاريخ قرطبة “.

وقد حيكت حول تلك الأسرة العديد من القصص والأساطير الكثيرة وهي جميعها من وحي رومانسي ،موريسكي،اندلسي تناولها أكثر من كاتب، ولا تزال هذه الأساطير إلى يومنا هذا تملأ أرجاءَ قاعة بني سرّاج بقصر الحمراء التي يزورها ويرتادها الزوّار كلّ يوم من مختلف أنحاء العالم ، فتقول أنّ أبا عبد الله، أباد أسرةَ بني سرّاج في تلك القاعة، وقيل إنّ السلطان أبو الحسن هو الذي عمد إلى تدبير هلاكهم ، واندحارهم، واستئصال شأفتهم  .

مشاعرمُرهفة وأحاسيس مُترفة

وبعيداً عن المكائد، والنزاعات، والمشاحنات ، والمشاكسات، والصّراعات، نعود إلى كتاب “أنطونيو دي فييغاس″ الذي استوحاه من نصّ بعنوان ” حكايات الأمير الماجد دون فرناندو الذي استرجع أنطيكيرا ” (أنتقيرة) ،حيث يحكي لنا كيف تزوّج إبن سرّاج من خليلته الفاتنة شريفة في الخفاء، في ظروف عصيبة صعبة ساد فيها التطاحن،والتقاتل، والمواجهات، وعشعشت فيها الضغائنُ والأحقاد بين مختلف العوائل، والأسر الحاكمة من الجانبين العربي والأمازيغي، وبين الإسبان ، ومع ذلك إنتصر الحبُّ الذي كان مغلفاً بالعفّة، وموسوماً بالصّدق والوفاء وسط هذه الأجواء الحالكة، والمدلهمّات، والمحن،والمكايد.وتظهر هذه القصّة في العديد من الحكايات والكتب الرومانسيّة في ذلك العصر، وعليه فإنّ قيمة عمل” أنطونيو دي فييغاس″ تكمن في إحياء هذه القصّة ونشرها على أوسع نطاق ، وقد قدّمها في قالبٍ  قصصي سهل، وبسيط بحيث أصبح له بسببها صِيْتٌ بعيد في مختلف أرجاء إسبانيا وخارجها. وتسجّل القصّة المشاعر السّامية والنبيلة، والأحاسيس المُرهفة العفيفة لبعض النبلاء الإسبان في ذلك العصر، وفي العصور التي جاءت فيما بعد، فحتّى الكاتب الإسباني العالمي “ميغيل دي سرفانتيس” صاحب رواية “دُونْ كِيخُوتِه دِي لاَ مَانْشَا”(  هذه الكلمة الأخيرة من اللغة العربية ” المَنْشَأْ “) لم يفته أن يشيرإلى قصّة إبن سرّاج والحسناء شريفة فى روايته الشهيرة الذائعة الصّيت . كما تعرّض ل”صخرة العشّاق” التي تُقرن بابن االسّراج وخليلته الحسناء شريفة الكاتب الأمريكي المعروف واشنطن إرفينغ (1783-1859) صاحب  ” قصص الحمراء” و”أخبار سقوط غرناطة” والذي كان قد أقام ردحاً من الزّمن فى قصر الحمراء. وهذه” الصّخرة ” ذكرها الوزير ابن مغاور الشاطبي في رسالة “ذكر المراحل” إلى الأمير الموحّدي يوسف بن عبد المومن عندما مرّ بموقع (أنطكيرا أو أنتقيرة) حيث قال : ” واجتزنا على صخرة العشّاق، وقطعنا دونها كلَّ حدب وشاقّ..” وذلك حسب الرّواية التي أوردها الباحث الكبير، الصّديق العزيز المتخصّص فى تاريخ الأندلس الدكتورمحمّد بنشريفة فى كتابه ” ابن مغاور الشاطبي،حياته وآثاره”.

تقاليد نبيلة وعادات حميدة

تحكي لنا هذه القصّة الطريفة أنّ إبن السرّاج كان قد وقع في أسر الفارس الإسباني ” رودريغو دي نارفايْس″  عمدة مدينة “أنطيكيرا ” (أنتقيرة) التي تبعد عن مدينة غرناطة بحوالي مائة كيلومتر جنوباً ، وعندما رأى نارفايس الفارسَ الأندلسي غارقاً في حزنٍ عميق،وفى نكدٍ،وكدر، وضنكٍ وهو فى سجنه سأله عن سبب كربه، وغمّه، ووجومه،وعزوفه عن الطعام،وعندما عرف الحاكمُ الإسباني قصّتَه، وكيف أنّه وقع في الأسر قريباً من المكان الذي كانت تنتظره فيه خليلته شريفة لعقد قرانهما، واستكمال مراسيم زواجهما، قرّر الفارس الإسباني النبيل على الفور إطلاق سراحه بشرط واحد أن يعطيه ” كلمته” بأن يعود للسّجن متى التقى بها وتزوّجها..!

انطلق ابن سرّاج على صهوة جواده في البحث عن شريفة، وتزوّجها سرّاً ،وعندما عرفت شريفة قصّةَ، وسوءَ حظ زوجها العاثر قرّرت ألاَّ تفارقه، وألاّ تتركه وحيداً فى محنته، وأن تصحبه إلى السّجن،الذي لم يتوان قيد أنملة في العودة إليه على الفور احتراما، ووفاءً للعهد الذي قطعه على نفسه مع الفارس الإسباني حاكم أنطيكيرا “رودريغو دي نارفايس″ الذي فكّر فيما بعد،عندما أوفى ابن السرّاج بوعده، وعاد إليه مصحوباً بزوجته شريفة،كيف يجازي ” الفارسَ المسلم العاشق” ، على وفائه، واحترامه لكلمته، ويكافئ – بالتالي- زوجته شريفة الغانية** الحسناءعلى إخلاصها، ووفائها، لزوجها فأطلق سراحهما على الفور.

و نجد في هذه القصّة الرومانسيّة غيرَ قليلٍ من تعابير الشّهامة ،والولاء، والأنفة، والوفاء، والحبّ، والنبل،والترفّع، وصوْن العهد في عصرٍ كانت الكلمة فيه تُحترَم، وكان العهد فيه لا يُنكث حتى مع الخصوم والأعداء.

و يجد القارئ العربي وغير العربي متعةً كبرى،وهو يقرأ لهذا الكاتب الكلاسيكي الطيّب الذّكر، والأصيل، النبيل ليس فيما يتعلق  بمضمون القصّة العميق في حدّ ذاته وحسب، بل على اعتبار الأجواء المحيطة بهذه الحكاية الطريفة التي تذكّرنا بماضي أجدادنا الزّاهر، ومجدهم الغابر في زمان الوصل بالأندلس. كما تضعنا هذه القصّة المثيرة كذلك إزاء العادات الفاضلة، والتقاليد الحميدة ،والشمائل الكريمة للمجتمع الأندلسي العربي- والأمازيغي ، بل إنّها تطلعنا كذلك في الوقت ذاته على جوانب من التأثير الذي أحدثه هذا المجتمع المتناغم حتى في صفوف مجتمع الجانب الآخر.

*كاتب، وباحث، ومُترجم، من المغرب عضو الأكاديمية – الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا

**الغانية :الحسناء الفاتنة التي تستغني بحسنها عن الزّينة ووضع المساحيق، والتطرية، أو الماكياج لفرط جمالها الطبيعي العفوي غير المجلوب التي قال فيها أوعنها أبو الطيب المتنبّي  (حُسْنُ الحضارة مَجلوبٌ بتطريةٍ  /   وفى البداوة حُسْنٌ غيرُ مَجلوبِ) .

رأي اليوم

عن الكاتب

عدد المقالات : 1228

اكتب تعليق

الصعود لأعلى