انت هنا : الرئيسية » اخبار متنوعة » هل هو “صمت الخرفان”؟

هل هو “صمت الخرفان”؟

هدى بركات

“صمت غريب كان يخيّم على الناس. ربّما بعض التأوّهات الخفيضة للجرحى وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة. على أيّ حال أنا لا أذكر إنّي سمعتهم، أو أنّي سمعت شيئا”.
هذا ما قاله للكاميرا أحد الأشخاص الذين نجوا من مذبحة الباتاكلان الباريسيّة. ثمّ أضاف أنّه لا يريد أن يتكلّم إلى أيّ وسيلة إعلامية بعد الآن. إنّه لا يريد أن يتكلّم.
هل يذكّر هذا بفيلم “صمت الخرفان”؟ ربّما. قليلا، لناحية دخول الذئب على خرفان صامتين من دون ثغاء، أي من دون استغاثة طلبا للنجدة. أو ربّما أكثر لناحية تمرير الصور لو قرّرنا أن نُلغي الصوت من أجهزة التلفزيون…

الفرنسيّون منقسمون إلى قسمين: قسم يتكلّم كثيرا وأينما كان. إنّهم السياسيّون والمسؤولون الأمنيّون والمحلّلّون الصحافيّون، والفلاسفة والمؤرّخون وعلماء الاجتماع واختصاصيو الإرهاب، والخبراء النفسيّون ورجالات المسلمين ومعلّمو المدارس، والجرّاحون ورجال الإطفاء والمسعفون… يقولون كلاما كثيرا، مفيدا وواقعيا ومشروعا، تتبعه أسئلة مصيرية يتميّز بها الفكر العقلاني الفرنسي. وفيما يبدأ الواحد يحسد الفرنسيين على قدرتهم الهائلة على المراجعة ونقد الذات – دون انهزاميّة أو ضعف – ينتهي الأمر بهذا “الواحد” إلى التعب من كثرة الكلام الذي، مكرّرا، يبحث في النهاية دائرا في حلقة تبدو مفرغة. وهذا مستحسن أيضا، أي البحث في حلقة مفرغة، لأن الضربة ما زالت قريبة، ولها تداعيات مستمرّة، وهي، وهذا الأهمّ غير مفهومة أو مستوعبة. لكن التعب والضجر يصيبان فجأة من يلقى نفسه كأن في فيلم رعب بوليسي مستمر لا يبدو أنّ هناك ما يبشّر في فهم حبكته أو في حلّ اللغز الذي يؤدّي إلى النهاية. فترداد الكلام والشرح ثمّ التساؤل حول “ما الذي دفع بهؤلاء الشبّان للقيام بما قاموا به”.. بغية التوصّل “إلى اقتلاع واجتثاث وجودهم” من فرنسا ومن العالم، بما أن لا حدود لأرضهم وفعلهم، صار يشي للناس أن الردّ على السؤال هو من الصعوبة بحيث إمّا أنه غلط، وإمّا أن لا جواب أو إجابة ممكنة أقلّه في هذا الزمن…

أمّا القسم الثاني من الفرنسيين، أي هؤلاء المواطنين العاديين، فهم على ما أراه منهم، قابعون في صمت مدهش. لم يكن الفرنسيّون أبدا هكذا. الصمت في أماكن الأحداث وفي ساحات التذكار وإضاءة الشموع، لكن أيضا في المخبز وفي الباص وفي الدكان القريب. في ملاعب الأولاد وفي صالات الانتظار في عيادات الأطبّاء، وفي المصاعد وفي مداخل البنايات بين الجيران. لا صاحب البازار الباكستاني الذي يسايرني بالسعر غامزا بأن “الله أكبر”، ولا مدير المطعم العنصري الذي يبشّ بوجهي لأني لبنانيّة، يعني “غير عربيّة”. وكان مفاجئا أن يكونوا قليلين هكذا الذين ذهبوا مساء الجمعة إلى ساحة ريبوبليك لإحياء ذكرى القتلى وإضاءة الشموع. يريد الناس الخلو بأنفسهم. لا مظاهرات استنكار ولا مسيرات تضامن. لا أحد يريد الكلام. منذ أكثر من ربع قرن وأنا أقيم هنا لم أر يوما الفرنسيين مستنكفين هكذا عن الكلام…

لهذا الشعب الصامت ألغي الصوت عن جهاز التلفزيون. الأفلام والكليشيهات التي تمرّ وتعود، ثمّ تمرّ وتعود للإرهابي الأوّل والعقل المدبّر – أي عبد الحميد أباعود – تصوّره باستمرار إمّا ضاحكا وإمّا مبتسما. يبدو ممازحا الكاميرا وهو يُطلق التهديدات من نافذة سيّارته التي تسحل قتيلا، مستبدلا بها الـ”جيت سكي”. وفي الصور القديمة غير الناطقة، أكان على شاطئ البحر وبيده سمكة أو ناظرا إلى قريب عزيز، تبرز ابتسامته العريضة التي تتناقض تماما مع القول بأنّ هؤلاء لا يحبّون الحياة… بعد مقتله فقط أضافوا صورا يبدو فيها أباعود على شيء من الجدّية.

الصور من دون الصوت تدلّ على نقيض الكلام الكثير. صور الإرهابيين، لكن كذلك صور الناس، التي يردّد الكلامُ فيها ما باتوا لا يسمعونه، من ذلك المحفّز على المقاومة مثلا، فيما تقول مانشيت الصورة المكتوبة بالأحمر إن الاستعدادات قائمة للردّ على هجمات كيمياويّة محتملة.

إنّه الآن زمن جديد، وعلى الناس أن يستسلموا للصّمت والتفكّر. للصّمت خصوصا. ولإفراد مكان وسيع للخوف. الخوف هو أيضا اعتراض، وتعبير عن عدم الثقة بالموكلين بالحماية. جميعهم، أينما كان.

أتذكّر دوما جوزيف سماحة. أتذكّر اليوم ما كان كتبه إثر تفجير المارينز في بيروت عام 1983. كتب جوزيف أن سائق شاحنة المتفجّرات كان يبتسم ابتسامة عريضة لحظة اندفاعه إلى المبنى. وقال إن اللقطة هذه هي بداية عالم جديد انفصل به “هؤلاء” عنا، أي عن محاولات فهمنا…

منذ 1983، أو قبلها وحتى الآن وهم يبتعدون، في مجرّة أخرى، وفي أجسام متحوّلة. فيما أدوات فهمنا ما زالت من العالم القديم، أدوات فاتت صلاحيّتها…

قد يكون في صمت الخرفان، إلى جانب ما يوحي به استسلامُهم لأنياب الذئب، بعض الاعتراض على الرعاة أيضا. كلّهم وأينما كانوا..

المصدر: المدن

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 1013

اكتب تعليق

الصعود لأعلى