انت هنا : الرئيسية » الواجهة » ما كُلُّ هذه الرَّوْعَة؟!

ما كُلُّ هذه الرَّوْعَة؟!

لقاء العمالقة في مسرحية:“رهين الجسد”

بقلم: مصلح كناعنة

على الرغم من كل شيء، يحق لنا نحن الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني أن نفتخر بأنه لدينا ممثلان مسرحيان عظيمان يرقيان إلى المستوى العالمي، هما حسن طه وريم تلحمي.

فلتذهب اللغة وبلاغتها الإنشائية إلى الجحيم! أريد فقط أن أصرخ صرخة الانبهار البدائية: واو! ما كل هذه الروعة؟!

ذهبتُ لمشاهدة العرض الثاني لمسرحية “رهين الجسد” في قاعة المركز الثقافي البلدي في طمرة وأنا على يقين تام بأنني سأشاهد ممثليْن اثنيْن يقومان بدورين: الممثل حسن طه يقوم بدور الشاب المُقعد فادي أبو شقارة الذي يعاني منذ الولادة من “مرض رخاوة العضلات” (PMD)، والممثلة ريم تلحمي تقوم بدور الأم. ولكني، لدهشتي، وجدت أن هذين الممثلين لا يقومان بدورين فحسب، وإنما بأدوار أشخاص عديدين في البيت والشارع والمستشفى والمدرسة، لا بل بأدوار مجتمع بأكمله، فيخرج أحدهما من دور ليدخل في دور آخر؛ فريم تلحمي تقوم بدور أم الشاب فادي (يُدعى “سليم” في المسرحية)، ودور الشرطية التي توقفها وزوجها في الطريق إلى المستشفى للولادة، ودور المرأة التقليدية التي تتأنف من رؤية فادي المكوَّم على كرسيه المتحرك، ودور الشاب العربيد الذي يحاول التنمر على فادي، ودور الرجل الذي لا يرى في الشاب المقعد سوى المال فيحاول أن يسرق منه كرسيَّه الكهربائي المتحرك، ودور الشابة التي تدردش مع فادي على الإنترنت، ودور الفتاة المراهقة التي يقع فادي في حبها، ودور الراقصة، والملاكمة، ولاعبة التنس، إلخ… وريم تلحمي تفعل ذلك ببراعة مذهلة، فتنساب بين الأدوار انسياب الزئبق على سطح أملس مائل، من خلال التعديل المتقَن السلس في حركات الجسد وإشارات اليدين وطبقات الصوت ونبرات الكلام.

أما الممثل حسن طه فهو لا يؤدي دور فادي فحسب، وإنما يؤدي أيضاً دور والده، وشقيقه، وصديقه، وأولاد الحارة، وربما أكثر من ذلك، وبنفس البراعة والإتقان. المذهل في الأمر هو أن الممثل حسن طه لا يخرج من دور الشاب المقعد فادي ليدخل في الأدوار الأخرى، بل هو يبقى طوال الوقت في دور فادي، ومن هناك يقوم بالأدوار الأخرى! بمعنًى آخر؛ من منظور المشاهد الذي يرى ما يجري على خشبة المسرح، ليس الممثل حسن طه هو الذي يقوم بالأدوار المختلفة، وإنما الشاب المقعد الملازم للكرسي المتحرك هو الذي يقوم بهذه الأدوار، فأمُّ ذاك الشاب هي التي تُدخِل ابنها في اللعبة، بحيث أن الشاب المقعد وأمه هما اللذان يلعبان لعبة تمثيل الأدوار من باب الترفيه والمتعة وتحويل قسوة الأقدار إلى سخرية تراوح بين السوداوية والابتهاج. هذا التحويل الذكي في “مَسرَحة” رواية “رهين الجسد” هي واحدة من إبداعات المخرج المسرحي راضي شحادة كوسيلة مكرَّسة لخدمة الرسالة الكبرى للمسرحية، والتي مفادها أنَّ الإنسان المقعد الذي يعاني منذ الولادة من مرض رخاوة العضلات ليس مجرد كومة من العجز وإنما هو كيان إنساني غني حافل بالمواهب والقدرات؛ بالمقدرة على اللهو والمرح، وعلى التعبير عن رأيه النقدي على سلوكيات الناس ومواقفهم. هذا التحوير الإضافي الذكي في “مسرحة” الرواية هو إحدى المساهمات الإضافية من قبل المخرج راضي شحادة لتعزيز وتمكين الشاب فادي أبو شقارة وأمثاله، ورد الاعتبار إليهم في المجتمع ككائنات إنسانية كاملة غنية في الوجود وفي العطاء.

هذه المقدرة الهائلة على تنقُّل الممثلين بين العديد من الأدوار، لم تكن لتتم بهذا القدر من الحذق والسلاسة لولا الإبداع الفني المتميز للفنانة القديرة منيرة شحادة في تصميم وصُنع الأقنعة والدُّمى ومختلف الوسائل المساعدة التي تضافرت بأسلوب غاية في الإتقان مع مواهب الممثلين التمثيلية، معزَّزة ومدعومة بجمالية الرقصات التعبيرية التي صممتها الفنانة الشابة الواعدة سوار عبليني.

إنها مسرحية تقدم قصة حياة الشاب المميز فادي أبو شقارة كما ألفها هو، وقصة صراعه مع المرض، ومع الموت، ومع العالم، ومع المجتمع، ومع نفسه أولاً وقبل كل شيء. فهذا الجسد الضعيف المشوَّه العاجز، فيه روح تواقة للحياة، وللحب، وللدفء الإنساني بمختلف أشكاله وتمثُّلاته… هذا الجسد له رأس مرهَف الوعي بالذات وبالعالم، شديد التأمل عميق الفكر عابق بالتساؤلات الوجودية حول المعنى والمغزى، وحول منطق الأشياء وعبث الأقدار والحكمة الإلهية، ولذا فإن المسرحية تجمع بين حس الفكاهة وجدية التفكير، بين الضحك والبكاء، بين الاختناق فرحاً وابتهاجاً والاختناق ألماً ورعباً…

إنها قصة فادي أبو شقارة عن حياة فادي أبو شقارة وأمثاله؛ قصة حياةٍ شخص واحد كتجسيد لوضعية الآلاف من ذوي الاحتياجات الخاصة في هذا المجتمع، ما في ذلك شك. ولكنها في نفس الوقت عمل مسرحي تراجيكوميدي من إبداع المخرج راضي شحادة، وهي تحمل بصماته من أولها إلى آخرها، فأنت تجد المواصفات المميزة للمخرج المسرحي والممثل المخضرم ماثلةً بقوة في كل تفاصيل المسرحية؛ في النكات والقفشات، وفي التلاعب بالألفاظ والكلمات، وفي توزيع الحركة على المسرح، وفي لحظات خلع وارتداء الأقنعة، وفي المزج بين الظلال والأضواء، وفي افتتاح المشاهد وقفلها، وفي الصياغة المسرحية للمونولوجات والحوارات المسرحية.

إنه هذا التناغم الذي يصل حد التطابق بين أفضل ما في شخصية راضي وأفضل ما في شخصية فادي. وأوضح دليل على ذلك هو المنولوج الرهيب الذي يقوم به الشاب القابع على الكرسي المتحرك، ذلك الحوار الداخلي الجدي العميق الذي يبدأ بالتساؤل حول العدالة الإلهية، وبالقول بأن “ألله بخلق أطفال بتمشي، وبخلق أطفال عمرها ما بتغدر تمشي”، ثم يرتفع إلى مستوى القول: “الشك مليح لأنه في النهاية بوصِّل لليقين… أو لأنه يمكن ما بوصّل لإشي”، وينتهي بتلك الصرخة المدوِّية المزلزلة التي تجتاح فضاء الكون: “بَس أنا مش أيُّوب!! بس أنا مش أيُّوب!!” هذا الحوار الصارخ الخانق المميت، هو أكثر ما جذب انتباهي في حوارات المسرحية، فهو على الرغم من كونه يصدر عن شخص واحد، إلا أنه متعدد الأصوات (polyphonic) بطريقة مثيرة للتأمل، فهذا التفكير المتسائل المتشكك يدور في عقل الشاب المقعد فادي، وفي عقل توأمه على المسرح “سليم”، وبلا شك يدور في عقل الممثل حسن طه، وفي عقل المخرج راضي شحادة، ومن خلال الملامح وردود الفعل نستنتج أنه يدور حتى في عقل الممثلة ريم تلحمي وعقل أم فادي التي تقوم بدورها، وبالتأكيد يدور في عقل البعض ممن يستمعون إلى هذا الحوار من جمهور المشاهدين.

ويبقى السؤال الأكبر: كيف من الممكن أن يقوم الممثل حسن طه بدور الشاب المقعد فادي بكل هذا الإتقان الذي يصل حد التقمص الكلي؟! كيف من الممكن أن يتحول الممثل حسن طه إلى الشاب المقعد فادي في كل شيء؛ في ملامح الوجه، وانفراجة الفم، وبَحْلقة العينين، وتشنُّج اليدين، ووضعية الجسد، وحتى في القهقهة والبكاء وفي مخارج الحروف وأصوات الاختناق؟! حين كنت أشاهد المسرحية كان الشاب فادي أبو شقارة يجلس على كرسيه المتحرك بالقرب مني، وكنت مستغرقاً حتى النخاع في مشاهدة الشاب القابع على الكرسي المتحرك على خشبة المسرح، وكان الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه فادي بالقرب مني يُصدر أصواتاً بين الفينة والأخرى فينتزعني من تركيزي، فأنظر إلى ذاك الشاب الجالس على الكرسي المتحرك بالقرب مني وأصاب بالذهول: ماذا يفعل هذا هنا؟ إذا كان فادي هناك على المسرح، فمن يكون هذا؟! وكيف يمكن أن يكون فادي على المسرح وهنا بين الجمهور في نفس الوقت؟! وأعترف أنني حين انتهى عرض المسرحية وذهبنا لنسلِّم على فادي (الحقيقي)، انتابني شعور بالإحراج، ففادي الذي رأيته وسمعته على خشبة المسرح كان حقيقياً أكثر من فادي هذا!

في الكلمة التي ألقاها الشاب فادي أبو شقارة (الحقيقي) بعد انتهاء العرض، وتعليقاً على الأداء المتقن للممثل حسن طه، قال فادي بروح الدعابة التي تميّزه: “حسن، يا جماعة، بشبهني لدرجة إني خايف أبوي يخربط ويفوّتُه عالسيارَة بَدالي ويرَوّحُه عالبيت، وأنا أنام الليلة في طمرة.”

انتبه عزيزي فادي، فحسن سرق شخصيتك منك وانتهى الأمر، وربما أصبح هو الآن مقنعاً أكثر منك!

في النهاية، هناك “بحصة” في فمي أشعر أنني لا بد أن أبصقها، وأستميح الصديق فادي وكل الطاقم المسرحي عذراً في ذلك:

بطل “رهين الجسد” الذي يعاني من “مرض رخاوة العضلات (PMD)، اسمه في الواقع “فادي”، واسمه في الرواية “مُراد”، واسمه في المسرحية “سليم”. لماذا هذا التعقيد المربك الذي لا طائل منه؟! إنها قصة الشاب “فادي”، والكل يعرف ذلك ويتقبله بمنتهى الاحترام والتقدير والتفهُّم، وأنا حين أقرأ الرواية أقرأ قصة فادي، وحين أشاهد المسرحية لا أفكر إلا بفادي، وحين أتحدث مع فادي فإنني أتحث مع الشاب الرائع فادي، فلماذا يحتاج فادي أو غيره إلى هذا التمويه الأدبي الذي لا داعي له؟! إنها نصيحة من القلب: سموه “فادي” ولا شيء غير ذلك، ودعوا فادي يكون نفسه كي يتمتع بذاته وينعم بحريته، وكي يأخذ مكانه ومكانته في الرواية وعلى خشبة المسرح كما في الحياة.

هنيئاً بهذا العمل المسرحي المتقن للمسرح القروي ومديره الأستاذ علي ذياب، ولجمعية شهد، ولبلدية طمرة، وللموسيقي بشارة الخل، ولمهندسي الإضاءة والصوت محمد عيسى وجوليانو يعقوب، ولكل من تم ذكرهم بالاسم في هذا النص. وبالطبع تظل التهنئة الكبرى من حق الصديق فادي وأهله.

عن الكاتب

عدد المقالات : 1604

اكتب تعليق

الصعود لأعلى