فيلم “المزوّر” .. رحلة لوفيتشي من سوق اللوحات المزيفة إلى عالم المافيا
صورة: مواقع التواصل الاجتماعيمحمد بنعزيز
المصدر:هسبريس
يعمل توني، وهو رسام إيطالي شاب، بجدّ، ويستخدم “أربعمئة ضربة” بفرشاته على اللوحة، لكن النتيجة مُخيّبة، لأن اللوحات التشخيصية (Figuratif art) لا تُباع. (Il falsario, 23-02-2026، للمخرج ستيفان لوفيتشي). هكذا افتُتح الفيلم عن الرسم، بتوصيف واقع فني تجاري: تُباع اللوحات الرمزية والتجريدية والمفاهيمية، وليس تلك التي يمكن للكاميرا أن تقدِّمها. لا تُباع اللوحات التشخيصية بعد أن قضت الكاميرا على رسم البورتريهات؛ لذلك كان الناقد الفني شارل بودلير ضد الكاميرا . ا
يحتاج السوق إلى لوحات طليعية، كالتي ظهرت في بداية القرن العشرين، وهذه هي مرحلة الفن الأكثر مفاهيمية في التاريخ. المرحلة التي أنتجت أكبر تراكم من التنظير للفن، وأكبر عدد من المدارس الفنية، من التكعيبية حتى السريالية. تُباع اللوحات الطليعية أفضل من غيرها، إذن فقد نبع الحل من المشكلة. يجب إعادة إنتاج لوحات تُباع. لم يكن بطل الفيلم يحب الإسباني بابلو بيكاسو (1881-1973)، لذلك بدأ نسخ لوحات مواطنه أميديو موديلياني (1884-1920) الذي كان أيضًا يكره بيكاسو. يُروى أن موديلياني سأل بيكاسو: “كيف تمارس الحب مع مُكعَّب؟.”
تتمدد الوطنية لتكتسح كل المجالات. يستنسخ توني لوحات رسام إيطالي. النسخ مدخل لتعلم الفن. يرسم وينسخ لوحات، والنتيجة أن اللوحة تصير “نسخة طبق الأصل” (2010)، وهذا عنوان فيلم لعباس كيروستامي. لقد فُتحت المتاحف، مثل اللوفر في باريس، ليأتي طلبة الرسم للتعلُّم باستنساخ اللوحات الأصلية. لتفسير ذلك، يكرر الرسام: كل فنان لص. هل بالمعنى الحرفي أم المجازي؟ ما العلاقة بين النسخة والأصل؟ علاقة محاكاة. “إن الفن محاكاة، والمحاكاة لا توجد إلا بالنسبة لمشاهد… يقارن النسخة والأصل” (موسوعة لالاند، ص 621). يرفع شابلن من قيمة المقارنة: “الطبيعة عادية، والمحاكاة أكثر إثارة للاهتمام” (كتاب قصة حياتي، ص 282). مشكلة الرسام أنه يُحاكي دون أن يُبدع، وهذا يُقلِّص مساحة موهبته. ما مقاس موهبته؟
كان الرسم ذريعة لحكي تاريخ مدينة في مرحلة عصيبة، في إيطاليا السبعينات… حيث مافيا المخدرات، ومافيا الفن، ومافيا السياسة: منظمة الألوية الحمراء الشيوعية تُقاتل ضد الأقمصة السوداء الفاشية. في هذا السياق المشحون، يروي الفيلم مسار كاهن ورسام وعامل يقصدون روما، عشيقة إيطاليا. ثلاثة أصدقاء شبان يُغامرون في مسارات مختلفة، جمعتهم الصداقة وفرَّقتهم المصالح والأهواء. ثلاثي غير متجانس يرحل ولديه سؤال محدد: ما الذي أنت مستعد لفعله لتحقيق حلمك؟
فنان فقير يحركه طموح عالٍ في بيئة خطرة. انتقل من تزوير اللوحات إلى تزوير أخطر… يغتني الفنانون الذين يندمجون في مافيات العاصمة، بشرط أن يتخلصوا من دفقات الفضول والشجاعة المفاجئة. تمضي الأيام، تفرض قوانينها على الناس دون أن تعبأ بمحنهم وأحزانهم… كل فرد يبحث عن نجاته أولاً… ماذا يكون الرسام دون يديه؟ ما بدا للرسام الشاب كفرصة للاستفادة، صار متاهة دموية… في هذا السياق، قُتل باولو بازوليني في منتصف سبعينات القرن الماضي. حينها كتب الروائي ألبيرتو مورافيا: “إن المجتمع الذي يقتل شعراءه مجتمع مريض”. لربط ماضي إيطاليا بحاضرها، وصلت سليلة القمصان السوداء الإيديولوجية، جورجيا ميلوني، لرئاسة حكومة إيطاليا في عام 2022، أي بعد قرن من وصول الحركة لحكم إيطاليا (La Marche sur Rome .1922)
في هذا السياق، صار أبناء الفلاحين الفقراء شيوعيين في العاصمة، لكن القضية النضالية لا تُطعمهم، لذا يتورطون في سرقات مالية يُشرِّعها النضال. لا فرق بين الرفيق والمافيوزي سوى الشعارات. تُستخدم الشعارات السياسية للتغطية على الجرائم المالية لنشر البرافدا (الحقيقة الشيوعية). طغت الجريمة على الفن في الفيلم، لأن نتفليكس تعرف ما يطلبه المشاهدون. على هذا الصعيد، قد يكون فيلم .Il falsario نسخة من أفلام سابقة.
لتقديم روما 1970، اعتمد المخرج لوفيتشي راويًا خارجيًا لتمرير المعلومات التي لم تقدِّمها الكاميرا. تقوم الأفلام الخفيفة فنيًا بإدخال المشاهد في السياق بمقدمات خطابية… هذه هي مشكلة الرسام ومشكلة الفيلم: ليس فيه جانب اختزال ومفاهيم كبير. إن النحت والاقتضاب (laconic) هو ثمرة ذهنية تركيبية تقول الكثير في عدد قليل من الصور والكلمات أو اللقطات. يقول المخرج اليوناني ثيو أنجيلوبولوس: “إن النحت هو حذف عناصر هي خارج منطق الحبكة”. لا يمكن حكي كل ما جرى. هذا عمل تنجزه كاميرا المراقبة في بنك. بما أنه لا يمكن حكي كل شيء، فلابد من النحت، من القصّ والاختزال والحذف للمحافظة على الجوهري الدال. يحتاج كل رسام وسينمائي إلى ثقافة بصرية عميقة. لا فن دون اختزال ونحت ومفاهيم.
أين يلتقي الرسم والمسرح والسينما؟ يلتقون في فضاء اللوحة والركح والديكور ومصدر الضوء في اللقطة. لقد تحدث مارسيل بروست عن مشاهد جداريات البندقية وعن “الخط المنظور في المنحوتات” (رواية الشاردة، ص 187). في الفيلم، نكتشف تاريخ مدينة روما الفني من خلال مشهدين: في الأول، تتبع الكاميرا كاهنًا في مقره، مما يسمح برؤية الرسم الديني على جداريات الكنيسة، وفي الثاني، يقف الرسام قبالة صرح (Coupole de Santa Maria del Fiore) الذي بناه فيليبو برونليسكي، مكتشف المنظور، الرؤية. بمثل هذه المشاهد الفنية، تحتل الأفلام الإيطالية موقعًا كبيرًا في برامج ومناهج تعليم فن السينما. تعلِّمنا سينما المنظور والرؤية، و”الرؤية تُضفي دلالة”. هنا ينكشف ما سماه أمير كوستوريتسا “الرسام القابع خلف المخرج”. للإشارة، دون ثقافة تشكيلية، لا يستطيع الناقد السينمائي أن يتجاوز تلخيص قصة الفيلم والتعليق على مضمونه. إن قراءة وتحليل اللوحات هو المدخل الكبير لقراءة الأفلام، لمقاربة الفيلم كمنتوج بصري أساسًا، وليس كظاهرة اجتماعية فقط.
