نجيب مجذوب: الأرشيف السرِّي للثقافة العربي

نجيب مجذوب
المصدر:رأي اليوم
في الصورة المُرْفقة لوحة تشكيلية تسمى (شكلٌ حرّ) للفنان الأمريكي جاكسون بولوك Jackson Pollock (1912-1956)، أحد الرموز البارزة لجماعة التعبيريين التجريديين التي حظيت بالدعم والترويج من طرف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIAبُعيد الحرب العالمية الثانية، ليس بسبب القيمة الفنية لما أنتجه أصحابها، وإنما أساسا بغرض محاربة واحتواء الواقعية الاشتراكية التي مثلت آنذاك تصور مذهب الشيوعية للفن. لقد بات من المعروف اليوم، بعد الوثائق السرية التي أُفرج عنها في هذا الإطار، بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أثناء الحرب الثقافية الباردة أسّست وموّلت ودعّمت لسنوات طوال العديدَ من المنابر والمجلات والمعارض والمنتديات والأشخاص والجماعات والفنون والآداب باسم حرية الفن والفكر والتعبير، بسبب إدراكها أن الثقافة عموما سلاح مؤثر ونافذ وفعال في معركتها متعددة الجبهات ضد المعسكر السوفياتي الشيوعي سابقا. ولمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع يجدر الاطلاع على ما تم ذكره من وقائع وأحداث مهمة في كتاب (من الذي دفعَ للزمّار؟ الحرب الباردة الثقافية) لمؤلفته فرانسيس ستونر سوندرز، والذي كتبته مستندة على كم هائل من الوثائق الهامة والشهادات الحيّة…
لكن ما موقع الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة في حرب الأفكار والفنون هذه ماضيا وحاضرا؟ ما القيمة الفنية على سبيل المثال لا الحصر لما يسمّى »الحروفية العربية» في مجال فن الخط وفلسفة الجمال؟ هل تعد فنا حقيقيا وأصيلا، أم مجرد هذيان بصري ملون دعمته وروجت له جهات خفية أو معلنة لأغراض خفية أو معلنة؟ ألا تشبه -مع الفارق طبعا- الكثير من المنتوجات المصبوغة التي راجت لمدة في المشرق العربي تحت يافطة الحروفية العربية أعمالَ التجريديين التعبيريين بعد الحرب العالمية الثانية في الغرب؟ هل يتعلق الأمر في الحالتين بصيحة أو موجة أو موضة فنية جادة أفرزها العصر ونبعت من تلقاء ذوات أصحابها وخيالهم، أم كان وراء الأكمة ما وراءها…؟
أنا لست خطاطا، لكن بسبب شغفي الكبير بفن الخط العربي وقراءاتي المكثفة في تاريخه الزاخر ومتابعتي الحثيثة لما ينتج في مجاله، فإني أبذل أحيانا جهدا متواصلا لمحاولة فهم واستيعاب ما أُنتج ويُنتج اليوم باسم الحروفية العربية. وفي الآخر، وبعد ارتياب طويل في مؤهلاتي العلمية وثقافتي الفنية، أخلص إلى النتيجة التالية: إن الكثير من إنتاجات الحروفية العربية لا معنى لها بكل بساطة. هي في الغالب الأعم مجرد شطح وهلوسة يعبران تارة عن مرض وحيرة، وتارة أخرى عن عجز وجهل، بغض النظر عن حسن نوايا أصحابها أحيانا…إن الحروفية العربية حينما تتمرد على أصول فن الخط العربي وقواعد رسم حروفه لا تعد بأي حال من الأحوال ابنا شرعيا لهذا الفن، وعبثا يتم الجمع بين الإثنين، ومن المضحك المقارنة بينهما…
لهذا تظل حاجتنا ماسة وقائمة لعمل فكري نقدي استقصائي موثق يكشف عن خبايا الثقافة العربية عموما وأسرار أهلها وبعض نجومها خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، يمكن من إماطة اللثام عن علاقات بعض أسمائها اللامعة بدواليب السلطة ودوائر الاستخبارات في الداخل والخارج، لنتعرف بالدليل والحجة (بعد نزع الأقنعة) على من لعب دور »الزمّار» حقا في ثقافتنا، ومن الذي دفع له، وما هي الألحان التي عزفها…ولكي نفهم -أخيرا وليس آخرا- حالة البؤس الذي آلت إليه هذه الثقافة العريقة، وجعلتها اليوم أشبه بملحقة من ملحقات دار الإفتاء…!
من يدشن إذن فتح الملفات السرية للثقافة العربية الحديثة والمعاصرة؟
(من الأرشيف السري للثقافة المصرية) عنوان كتاب صغير منسيّ ومسكوت عنه للكاتب المصري الراحل غالي شكري (1935-1998)، أصدره سنة 1975، ويتناول في فصوله القليلة بعض خبايا وكواليس وأسرار المشهد الثقافي المصري خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، والتي لا يتردد في وصفها في ثنايا تقديمه للكتاب بالخطايا والجرائم في حق الثقافة. يعبر غالي شكري عن ذلك بقوله في خاتمة مقدمة كتابه عنوانها (الملف الممنوع من الفتح): “وهذا الكتاب مجرَّد قطرة في بحر الخطايا والجرائم التي ارتكَبها اليمين المصري ضدَّ الثقافة والمثقفين. فالملف الكامل ما زال ممنوعًا من الفتح، لأن الذين يملكونه ليسوا طرفًا واحدًا، ولا يملك الفرد منَّا أكثرَ من بضعة أسطر أو قليل من الصفحات (…) فاكتبوا الآن قبل غد، يا مَن تعرفون أكثر مني؛ اكتبوا قبل أن يجف المداد في عروق الأيدي…”
الدكتور غالي شكري صعيدي قبطي حفظ القرآن كاملا. كان جد مقرّب من الأوساط الثقافية والفنية والدوائر الإعلامية والأكاديمية في مصر خلال ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، مما مكنه من الاطلاع على بعض أسرار الصالونات والمجالس في القاهرة، عرض بعضها في كتابه ذاك، متوقفا عند بعض نجوم الكتابة آنذاك (توفيق الحكيم، إحسان عبد القدوس، مصطفى أمين، نجيب محفوظ، أنيس منصور، صالح جودت، سميح القاسم، حسي فوزي، مصطفى محمود، محمد مهدي الجواهري…)؛ كاشفا عن نزر يسير من مواقفهم غير المعلنة، خاصة ما يتعلق منها بالصراع العربي الإسرائيلي ومسألة التطبيع بعيد حرب أكتوبر عام 1973، وأيضا بشأن الصراع القوي والمصيري بين اليسار القومي واليمين الديني في عهد الرئيس أنور السادات…
لقد استهل غالي شكري كتابه بالتوقف عند حالة فتاة تدعى سناء حسن، قدِمت إلى مصر بذريعة تحضير أطروحة جامعية، ففُتِحت أمامها جميع الأبواب الموصدة المؤدية إلى المجالس الخاصة لكبريات الشخصيات والمؤسسات الرسمية، بما فيها أرشيف جريدة الأهرام. إلى أن تطور الحال إلى عقد قرانها بتحسين بشير مساعد المستشار الصحفي لرئاسة الجمهورية المصرية آنذاك، رغم فارق السن الكبير بينهما. وفي الأخير تبين بأن تلك الفتاة لم تكن سوى جاسوسة إسرائيلية تمكنت من سرقة أرشيف جريدة الأهرام، بما فيه ملف الندوة الكاملة التي جرت حينذاك بين الرئيس الليبي معمر القذافي ومجموعة من ألمع الكتاب المصريين، كما يخبرنا غالي شكري. وستتمكن إسرائيل بعدئذ، بناء على أرشيف الأهرام وغيره، من التعرف عن كثب على مواقف أهم الكتاب المصريين آنذاك من قضية الصراع العربي الإسرائيلي ومسألة الصلح والتطبيع معها، ومن ثمة هندسة سياساتها وتحديد خطواتها وفق ذلك. هذه عينة واحدة مما ورد في كتاب الراحل غالي شكري، ونادرا ما نعثر على إحالة على هذا الملف فيما كُتب عن تلك المرحلة نظرا لما يمثله من إهانة واضحة واختراق مذل من طرف فتاة بدينة عرجاء كما يصفها الكتاب، وما يشكله ذلك من نقطة سوداء في تاريخ مصر القريب قبل زيارة السادات للقدس وتوقيع اتفاقية كامب دافيد…
ولا يفوِّت غالي شكري فرصة التوقف عند حالة شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري، مخصصا له فصلا كاملا تحت عنوان (وسقط آخر العمالقة!)، يستهله بخبر صغير تناقلته وكالات الأنباء العربية مساء 24-9-1974 عن الملك الراحل الحسن الثاني الذي أغدق من معين كرمه على شاعرنا الكبير بفيلا كبيرة خاصة بمدينة طنجة الساحلية شمال المغرب، وفتح له حسابا في أي بنك يختاره الشاعر يتوصل فيه بما قيمته مائة دينار يوميا. وكل هذا الكرم سببه قصيدة شعرية في مائة بيت نظمها شاعرنا المذكور في مدح الملك الراحل…!
يمكن لنا أن نتفق وأن نختلف مع آراء غالي شكري الفكرية والأدبية ومواقفه السياسية، لكن لا يمكن لنا إلا أن نسلم بما سرده من حكايات في كتابه المذكور، لأن ما ذكره مبني على وقائع ومحاضر وشهادات، وليس على تحليلات ووشايات وإشاعات؛ وأيضا لأنه كتب ما كتب وهؤلاء الكتاب والنجوم على قيد الحياة، ولم ينتظر غيابهم ليجهر بالحق والحقيقة. بيد أنه أشار في كتابه -كما أوردنا من قبل- بأن ما سرده ليس سوى قطرة واحدة في بحر الجرائم والخطايا ضد الثقافة، وبأن الملف الكامل ممنوع من الفتح، ولهذا دعا بشجاعة كل من يعرفون أكثر منه إلى الكتابة قبل فوات الأوان. لقد خلص غالي شكري في شهادته المكتوبة إلى أن هناك تناقضا خطيرا بين الواجهة الرسمية للثقافة المصرية والمهندسين الحقيقيين لها؛ وبأن اعتلاء الكراسي الثقافية من طرف أهل الولاء عوض أهل الخبرة يفسد الثقافة وينصب ثورة مضادة لها؛ وبأن الانتهازية التي تحدو حاملي الأقلام إلى تغيير عباءتهم حسب ما يقتضيه السياق ينتج مع مرور الوقت جيشا من المنتفعين الذين يقاومون في نهاية المطاف كل إرادة للتقدم والتغيير. الأمر الذي يستدعي في نظره رسم استراتيجية شاملة تنشد النهوض بالعمل الثقافي، وتحرره من الارتجال والتدبير السياسي المرحلي…
إن علاقات أهل الثقافة والفن العرب عموما بدوائر استخبارات بلدانهم ومكاتب استخبارات وسفارات دول أجنبية ليست خبرا جديدا، وليست أمرا مستغربا (ولا نستثني من ذلك الأوساط الأكاديمية والمثقفة في الغرب، وملفات المجرم جيفري إبستين اليوم ليست بعيدة عنا، خاصة علاقاته المشبوهة ببعض الجامعات والأسماء الأكاديمية التي قدم لها تبرعات مالية مقابل تسهيل بعض الخدمات). قبل سنوات قليلة بعيد الربيع العربي الموءود استمعنا إلى شريط صوتي مسرَّب تتحدث فيه الفنانة المصرية «يسرا» إلى ضابط ارتباط مصري، وكيف تتلقى منه التعليمات والتوجيهات بتفصيل في إطار ما يسمونه «العلاقات العامة» لتلميع الصورة…! وقبل ذلك كان الفيلسوف الراحل عبد الرحمن بدوي (1917-2002) قد أصدر عام 2000 مذكراته الدسمة (سيرة حياتي) في جزأين، تحدث فيها بغضب ونقمة وانزعاج عن بعض الأساتذة بالجامعات المصرية الذين كانوا حسب رأيه يتخابرون مع الشرطة السرية المصرية في عهد الراحل جمال عبد الناصر، فيخبرون بما حصل وأيضا بما لم يحصل، إلا أنه لم يقدم أمثلة محددة ولا أدلة مؤكدة بشأن ما كتبه.
واليوم، لا تعوزنا الأخبار ولا تنقصنا الحكايات في موضوع الأرشيف السري للثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، لكن ما نحتاج إليه أكثر هو الأدلة الدامغة والمستندات الموثقة والشهادات الحية حول من أدى دور الزمار، ومن دفع له، وماذا كانت مهمته. وفي انتظار رفع السرية عن أرشيف الثقافة العربية، فمن إذن سيستأنف ما بدأه غالي شكري الذي اعتبَر كتابَه (من الأرشيف السري للثقافة المصرية) مجرد نقطة في بحر الجرائم والخطايا ضد الثقافة، ويقودنا وسط عباب هذا البحر وظلماته ولجّة آثامه ومؤامراته…؟
نجيب مجذوب