انت هنا : الرئيسية » الواجهة » حيدر عبد السلام العتابي.. “الرواية الفائزة بالمسابقة الأدبية لأتحاد الادباء والكتاب في العراق لنتاجات الأدباء الشباب 2018”.. سردية مسكونة بالحب والحرب والغربة

حيدر عبد السلام العتابي.. “الرواية الفائزة بالمسابقة الأدبية لأتحاد الادباء والكتاب في العراق لنتاجات الأدباء الشباب 2018”.. سردية مسكونة بالحب والحرب والغربة

بغداد – حمدي العطار

رأي اليوم

القارئ لرواية (الضائع في رحلة كول) للروائي الشاب “حيدر عبد السلام العتابي” لا يمكن ان يغادر محطات الحزن التي استوطنت  العراق منذ فترة الثمانينات من القرن الماضي حتى الوقت الحاضر، واذا كانت الرواية هي الاولى للكاتب الشاب (حيدر) وهي من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق – المسابقة الأدبية لنتاجات الأدباء الشباب 2018 – فهي تعد بداية مذهلة لهذا الكاتب الذي استخدم في السردية ادوات فنية تمثل الحداثة في تناول المحاور الرئيسة لللاحداث والشخصيات ضمن مفردات (الحب والحرب والغربة)

*رواية داخل رواية،

حاول الكاتب استخدام اسلوب القص من داخل الرواية، حيث شخصية السارد كما يعتقد القارئ من الصفحات الاولى هو شقيق البطل (حسن)، القادم من استراليا ليستقر في العراق بعد سقوط نظام صدام بعد غربة طالت لأكثر من ثلاثة عشرة عاما،لكنه يضعنا السارد من حيث نهاية تلك الرحلة ويقرر سريعا الرجوع الى استراليا “حسن الذي وفرت له المؤسسات الحكومية في العهد الجديد والتي تعني بالمهجرين والمتضررين من سياسات النظام الدكتاتوري المباد راتبا شهريا يعتد به كونه،أدرج ضمن تلك القوائم الخاصة بمتضرري النظام السابق” لكن مسار السرد سرعان ما يتغيير حينما يعثر الشقيق على ملف (بلاستيكي شفاف ) كان قد كتبه حسن ،ودفنه تحت جذع شجرة ! ملف “شفاف ملئ بأوراق بكتابة يدوية متراصة، منذ النظرة الأولى عرفت انها كتابته”

*التوزان في بناء الشخصيات

في الرواية سوف يجعلك الكاتب تتعاطف مع الشخصيات كحالات انسانية وظواهر اجتماعية، وهو ينقلك من قرى الاهوار وشخصية الخال (ناظم) المختلف عن الجميع “مثقفا وقارئا نهما،متحررا في توجهاته وأفكاره …كان يحمل معه اكياسه الثلاثة الكبيرة المحملة بالكتب اينما انتقل من حي الى آخر في الناحية” ومن نقاشاته الجريئة حول العقائد المقدسة ، تلصق به صفة الجنون!فيغادر القرية الى المدينة تاركا اكياس كتبه الى ابن شقيته (حسن)، الذي اعاد قراءتها لمرات عديدة لتكون البذرة الاولى لبناء شخصيته المثقفة الواعية (كان في مقدمتها الحرب والسلم لتولستوي والجريمة والعقاب لدوستوفسكي وبعض اجزاء قصة الحضارة لويل ديورانت،كتب لطه حسين والعديد من الروايات الرائعة لنجيب محفوظ،اعداد من مجلة الف باء” ومن الهور الى بغداد الى ايران والى استراليا ومن ثم العودة ومن بعدها الرحيل في حركة دائرية تمثل فعلا الضياع!

*النساء في الرواية

مع تغيير المكان في الرواية تظهر الشخصيات النسائية المؤثرة في بناء شخصية (حسن) وما تحدثه من تغييرات لمسار حياته،فهناك الام في القرية،قد تكون جارته (ام كاظم) الذي منها تعلم معنى الحزن والم الفراق بعد موت ابنها كاظم في الحرب العراقية الايرانية،وام كاظم تنعي ولدها الوحيد (انا ردتك لا ردت دنيا ولا مال لا /تحضرني لو وكع حملي ولو مال/يبني خابت اظنوني والآمال/زبوقت الضيج يبني اطعت بيه) او امه و قد تكون (ازهار) في جامعة بغداد – حبيته- او “نتالي” حبيبته في استراليا، او منقذته من قم الايرانية “مهتاب مولوي”.

معمارية البناء السردي

في رواية ( الضائع في رحلة كول) لا يخفي الروائي تأثره بالادب العالمي ،في العنوان هناك اشارة الى الرحلة التي تجسدها لوحات الكاتب الامريكي(توماس كول) وهي المراحل الاربعة التي تبدا (بالطفولة والصبا والشباب والشيخوخة) فالرواية من الناحية الفلسفية تفسر لنا المراحل العمرية للانسان في ظل تصوير حقبة من تاريخ العراق لا يمكن لأي عراقي ان يتجاهلها او حتى يتناسها!

*الجانب الفالت في الرواية

ومن باب الاقتباس الايجابي قبل اي قسم من الرواية هناك اقتباس بمقولة لنص ذي دلالة تفسر مضامين ومعاني هذا الجزء، ففي الجزء الفالت قبل الدخول في مرحلة تجسيد لوحات (كول) يتم الاستشهاد بمقولة الكاتب الروسي (رسول حمزاتوف)،وفي هذا هناك تمهيد لموضوع الرواية لكن شخصية (حسن الجادر) الذي يقرر العودة الى العراق وهو يشعر بالسعادة سرعان ما تنهار عزيمته في القدرة على التكيف مع الوضع الجديد “حين جاء قادما من أستراليا كان يحمل شيئا من السعادة والرضا عن النفس تفصح عنها تقاسيم وجهه كان اشبه بطفل وجد اهله بعد ضياع طويل …. اما حسن الذي ودعته فكان منكسرا ذابلا لا يتكلم إلا قليلا وتغير مزاجه كثيرا،،اما الجزء الفالت فكان في نهاية الرواية وشاء الروائي ان يطلق عليه (على شفا اللوحة الاخيرة) لأن دورة الحياة لم تنتهي زمنيا في الرواية ذات البعد المفتوح معنويا، هنا  افضل ما كتب حيدر من مشاعر العشق والغرام ولم يجد من مناص الا الاستشهاد بمقطع من قصيدة (محمد الماغوط) فالموت شبح يطارد المغترب فهناك قبور (الاب والام) و يتم دفن الحب لمعشوقته (ازهار) وهو يلتقي بها في الجامعة بعد ان اصبحت زوجة لصديقه ، يتألق الروائي في تصوير مشاعر الحب الذي تم اغتياله من سطوة ونفوذ الاب (قيصر) رمز النظام المخابراتي الصدامي واستغلال صديقه احمد ليتزوج من حبيبة صديقه” آه يا أزهار يا حبيبتي،جاءت وكانت منطفئة والحزن يلتهما وهي ترتدي اللون الاسود، لم تكن شفتاها تلكما الشفتين اللامعتين ولم يكن ذلك البريق الذي يتلألأ بعينيها موجودا وأرتداؤها للحجاب زاد في انطفائها اكثر، لقد كانت بقايا حبيبتي”

*الزمن الخطأ

في اللوحة ومن وحي (رامبو وسميك) يعترف حسن بأنه قد ولد (في الزمن الخطأ) وفي هذه اللوحة هناك استدراك للقرية والزمن الضائع في الحزن والحرب كأمتداد للقهر الاقطاعي والاستبداد الدكتاتوري، بالاضافة الى اشارة للدولة البديلة (استراليا) وما يمثلها من حضن حنون للحبيبة(نتالي) “اهلا عزيزتي نتالي، الكتابة ترمم الخراب الذي في نفسي كما تعلمين”هل يتكلم الروائي عن البطل ام عن نفسه! ففي كل الراوية هناك واقع مغلف بالخيال وقد يتجاوزه!وفي اللوحة الاولى هناك تسير مع حسن الى حيث الاهوار والاعتقال والتعذيب وموت الاب ومساومة والد حبيبته ازهار رجل المخابرات (قيصر) بأن يترك حسن ابنته مقابل مساعدته بالخروج من المعتقل وتهريبه الى ايران! هناك  تلاعب بالزمن وقصدية في عدم التسلسل الزمني والتداخل بين الاحداث ،حيث تنتقل اللوحة الى الهروب من ايران الى استراليا ،ومصاعب غرق المركب وموت اكثرية الركاب مع نجاة البعض منهم ومن ضمنهم حسن الجادر “عدد الناجين لم يتجاوز الثمانية عشر من بين كل اولئك المائتين” ويبدع الروائي في وصف مشاعر الام الايرانية وهي تريد انقاذ ابنها من الغرق ، فيغرق الاثنان!

*هيكيلة البناء

لعل الروائي وهو يهندس البناء الروائي كان يخطط ان تكون اللوحة الثانية والثالثة هي متن النص الروائي واخذ يربط الاحداث ومصير الشخصيات في هاتين اللوحتين، ولعل الجوانب الفلسفية في الرواية تتلخص بوجود البطل (حسن) في ايران كطالب حوزة دينية  في (قم) مع عدم قناعته في اسلوب التلقين الديني! وتخطيطه لجمع مبلغ الثلاثة الف دولار للمهربين للوصول الى استراليا، وقد ساعده الحظ ان يعثر على حقيبة الفتاة الايرانية (مهتاب) ليتصل ويلتقي بها لترمي له طوق النجاة”ركنت السيارة بيجو البيضاء عند رصيف الشارع ونزلت السيدة ذاتها ثبتت صورتها في الهوية كانت مليئة بالثقة والأنوثة والجرأة، والحجاب الذي وضعته على شعرها لا يغطي سوى النصف الخلفي منه مما زاد في جمالها” تساعده بالعمل في شركة ابيها في (بندر عباس) ليحصل على المال و فرصتة للسفر الى استراليا.

الخاتمة

المشهد السردي لدى حيدر عبد السلام كان متماسكا لو لا الارتباك في الغطاء الزمني ،ولعل هذا المفصل قد جرى تغطيته بقدرة الكاتب على امتلاك مواضيع متنوعة لا تدل ابدا بأن حسن ترك العراق فقط 13 سنة كما ذكر في بداية الرواية، الوصف للأمكنة كانت في منتهى الروعة  وكذلك الجوانب النفسية للفرد العراقي في ظل الازمات كانت لها حضور قوي،وتجسد المعنى من حجم الضياع لمراحل عمر الانسان العراقي وهو ينفذ رغبات السلطة في العراق ويخوض مغامرات الساسة في المراحل المتعددة!

عن الكاتب

عدد المقالات : 1003

اكتب تعليق

الصعود لأعلى