الدكتور كايد الركيبات: قراءة في رواية سراب للدكتورة مي عزت
الدكتور كايد الركيبات
جاءت رواية سراب للدكتورة مي عزت كشهادة أدبية صارخة على واقعية الأزمة، حيث تشابكت فيها خيوط العشق المستحيل مع مرارة الانكسار النفسي، لتقدم لنا نصاً يفيض بالسيولة العاطفية والجرأة الوجدانية، الرواية ليست مجرد حكاية حب، بل هي رحلة بحث عن الذات عبر الحب بدأت من القاهرة وانتهت في ضباب لندن، المنفى الاختياري الذي تحول إلى مسرح لترميم شظايا الروح المبعثرة.
في سراب تقف أمام شخصية مركزية “سهر” بطلة الرواية، التي عاشت حالة من الألم الوجداني، الذي مثل الجوهر النفسي للرواية والذي بدا واضحاً في وصف العشق المستحيل، والانكسار النفسي، والاغتراب الداخلي، والصراع بين الواجب والرغبة، قالت: “أضأت شموعي كلها ثم تركتني”، فكان خيار السفر إلى بريطانيا وتخلي بطلة الرواية عن ابنيها المراهقين في القاهرة ذروة التمرد الفني والجنوح الدرامي، وهو خيار وإن بدا مخلخلاً للقيم بمعايير المجتمع إلا أنه عكس بوضوح حالة كسرة الروح التي بلغت حداً من القسوة جعلت البطلة تتجرد حتى من أقدس غرائزها (الأمومة). هنا وضعتنا الكاتبة أمام مواجهة حتمية مع أنانية الحب ووطأة الاكتئاب الحاد، حيث أصبح السفر والهروب محاولة أخيرة للنجاة من حالة اليأس التي قضت على كل ما هو جميل، قالت: “لذا فالبعد ألطف العلاجات لهذا الداء الذي لا خلاص منه مهما طال العمر بنا”.
تجلت ثورة الأنثى والمكاشفة الوجدانية في الرواية كنموذج إنساني شديد التحرر ممتلكة جرأة في التعبير عن مشاعرها ولم يكن بوحها مجرد سرد بل ثورة على القيود التي تحث على الخجل، حيث أفصحت بوضوح عن اشتهائها وغرائزها واصفةً الحبيب باحتياج لا يغني عنه شيء، قالت: “تعالت أنفاسنا وتشابكت أجسادنا وأطفئ البركان الثائر فينا”، “وقبلته قبلة عادت بها روحي إلي”، هذا التحرر امتد ليشمل خلع قناع القوة حيث أعلنت استمتاعها بلحظات الضعف واللين والانكسار الأنثوي، معتبرة أن ذوبان هويتها في كينونة الحبيب هو منتهى الحرية، وقد نجحت الكاتبة في رسم شخصية تقف ببراعة على الحد الفاصل بين الرقي الوجداني والبوح الجسدي المكشوف، جاعلة من الرغبة ضرورة تطارد من خلالها سراب العشق المستحيل، معلنةً انحيازها لنداء الفطرة فوق كل اعتبار.
في رواية سراب كان لسطوة الانفعال الوجداني والاحتياج الحسي هيمنة واضحة على حساب المنطق الموضوعي والاجتماعي، ورغم البراعة في صياغة إطار نفسي وانطباعي فاض بصدق المشاعر إلا أن هذا التدفق العاطفي طغى في مواضع عدة على إحكام الحبكة، مما أدى إلى تراجع المسوغات الواقعية والتماسك الدرامي المتصاعد لصالح اللامنطق الوجداني، لقد تجسد هذا الانحياز في تقديم الأنا الوجدانية للبطلة كمركز للسرد الروائي، بينما تحولت الشخصيات المحيطة بما في ذلك الأبناء والمجتمع إلى مجرد ظلال هامشية تفتقر للوجود الحقيقي والمؤثر، إن هذا التحول جعل العمل الأدبي أقرب إلى البوح الذاتي والسيرة الوجدانية منه إلى البناء الروائي المتكامل، مما قد يضع تعاطف القارئ مع قضية العشق المستحيل في اختبار حقيقي أمام مسؤوليات الواقع وقيوده الأصيلة.
في حين برز بطل الرواية “كمال” كشخصية قادمة من عمق السودان محملاً بعبق النيل وكبرياء الشخصية السودانية وغموضها، كمال ليس مجرد حبيب بل هو الرابط الذي أعاد البطلة إلى أصولها (من أب سوداني وأم مصرية) وهو المرسى الذي تهرع إليه سهر هروباً من سراب حياتها، بعد تجربة زواج فاشلة، كان معول الهدم فيها غياب الحس المرهف وتبادل المشاعر الإنسانية الرقيقة، التقاها صدفة بعد إقامته في القاهرة فاراً من الحرب في السودان، قال: “لم استطع تجاوز ابتسامتها ورنة ضحكاتها ولا تلك الطريقة التي تتكلم بها”.
وبعد أن قالت الراوية: “النساء هن نوافذ القلب إلى الحياة” لتضع الأنثى في مقام الوسيط الوجودي الذي يمنح الأشياء معناها ويفتح الواقع المعتم على الضوء، توجت رؤيتها للواقع بمقولات فلسفية عميقة لعل أبرزها فلسفة “أنا بخير”، “والعيش في الظل”، فاعتبار “أنا بخير هي أكبر كذبة في الحياة نقولها لنواجه بها الحياة ونُصبّر بها أنفسنا” هذا التضليل الذاتي هو أداة صمود بطولية استخدمتها سهر لترميم روحها أمام قسوة الغربة.
وفي نقد حاد للواقع المأزوم قالت الراوية: “كل شيء يكون أصعب حينما يكون الحب في الظل” إنها دعوة للمباهاة بالعشق والاعتراف العلني به كاستحقاق إنساني وكرامة وجدانية ترفض التهميش، وبهذا جسدت الرواية لواقعية المشاعر حيث يُلغى العقل لصالح هيمنة الحالة الوجدانية، وتتحول رمزية السراب إلى الجسر الوحيد الذي يربط بين واقع ممزق وقلب لا يكف عن الركض نحو المستحيل.
وفي توظيف فني لافت تحول البخور في الرواية من مجرد رائحة إلى بلسم جمع شتات البطلة، فإذا كان مصطفى سعيد قد جعل الرائحة فخاً يسقط فيه الغربيون في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، فإن مي عزت جعلت البخور نداءً يوقظ الأنثى بداخلها، إن إنهاء الرواية على وقع رائحة بخور الشاف هو اعتراف ضمني بسطوة الهوية السودانية على وجدان البطلة، وهو استحضار لطقوس الحنين التي تجعل من العشق حقيقة لا تكتمل إلا بامتزاجها برائحة الأرض.

