انت هنا : الرئيسية » الواجهة » الخضير هموش: بيتهوفن .. والطريق إلى الحرية

الخضير هموش: بيتهوفن .. والطريق إلى الحرية

April 27, 2018

الخضير هموش

عندما نسمع كلمة “السمفونية” فإن العقل يتجه مباشرة إلى شخص يسمى “بيتهوفن”، هذا الرجل الذي ساقته الأقدار ليكون عازفا على إيقاعات خاصة به، حتى إنه لما فقد “حاسة السمع ” وعزل الناس ومجتمعه وما يغنون، وعندما يسأل عن هذا الذي يصنع، يرد قائلا : “اعذروني، إني أعزف للأجيال القادمة، وليس لكم، إن إمبراطور الموسيقى العالمية لم يكتف بالعزف على نغمات أطربت العالم فقط، بل كان له نصيب في ترسيخ مبدأ التحرر من كل القيود التي تؤثر في مساره أوعلى البشرية سلبا .

شهدت إحدى حدائق فيينا ذات يوم حوارا جرى بين “بيتهوفن” و الشاعر الفيلسوف الألماني “جوتيه”، إنها سمفونية من نوع آخر يعزفها “بتهوفن” مخاطبا صديقه الفيلسوف :”إن الملوك لا يملكون القدرة على خلق العقول الكبيرة رغم أوسمتهم وألقابهم …وإن أعظم الناس في هذا الكون هم الكتاب من أمثالك والموسيقيون من أمثالي”…لم يمض سوى برهة من الزمن حتى طلع على الرجلين فخامة الإمبراطور “نابليون” …إنه اختبار حقيقي لبيتهوفن، فكيف تراه يتصرف؟

تقدم نابليون في اتجاه الرجلين، في ممر لا يتسع إلا لشخصين، وقف الفيلسوف “جوتيه” كالقصبة الممشوقة إجلالا له واحتراما، لكن “بيتهوفن” وصل سيره ولم يقف، وفي موضع ما لم يتسع إلا لمرور شخص واحد، لم يتوقف ” بيتهوفن” بل استمر في التقدم، حينها توقف “نابليون” وأفسح له الطريق ليمر …إنها سمفونية الحرية يعزفها “بيتهوفن” بنغمة خاصة، ويوجهها للأحرار في العالم بأسره دون قيود لغوية .

ألف الموسيقار بيتهوفن سمفونيته الشهيرة ” الملحمة” من أجل الاحتفال “بنابليون” وتمجيده باعتباره ابنا للثورة وحارسا لثالوثها الأعظم (الأخوة، المساواة، العدالة الاجتماعية)، فلما أعلن هذا الأخير نفسه إمبراطورا، استشاط بيتهوفن غضبا، وقدم ” الملحمة ” للجماهير على أساس أنها هدية لهم، وليست للإمبراطور الخائن للثورة ومبادئها …ليتجاوز هذا الاختبار، ويسطر بمداد العزة والإباء سمفونية خالدة، منارة تضيء سماء العبيد وتقود كل باحث عن الحرية إلى شاطئ الأحرار .

وارتباطا بأهل الموسبقى والعزف دائما، وظف نابليون ببلاطه : الموسيقار الإيطالي ” زينغرلي” ومهمته ترتيب مقاطع موسيقية تطرب آذان السامعين في المناسبات الرسمية حسب رغبة الإمبراطور …وبمناسبة توشيح ابنه “فرانسوا” على رأس روما قائدا، وتخليدا لذكرى التخلص من البابا وإلقائه في غياهب السجن، طلب “نابليون” من الموسيقار”زينغرلي” أن يؤلف قطعة موسيقية تخليدا لهذا الحدث العظيم، فما كان من الموسيقار “زينغرلي” إلا أن عزف سمفونية عظيمة تخلد لهذا الحدث، جاء في مطلعها : ” لا…لن أعزف …أعذرني أيها الإمبراطور فأنا لا أعترف إلا بالبابا قائدا على رأس روما “.

استشاط نابليون غضبا، فماذا تتوقعون ؟ ماذا ينتظر “زينغرلي” المسكين ؟؟ الإعدام بالسيف أم الصلب على الخشبة؟ أم السجن المظلم مدى الحياة؟

كلا، لقد قدم “نابليون” مقدارا مهما من الفرنكات الفرنسية تقدر “بالآلاف” للسيد زينغر لي، ثم أحاله على معاش مبكر، هكذا يا سادة، ثم ودعه بقوله ” إذهب إلى وطنك روما”.

يربط كثير من الناس “الحرية” بالحياة المادية فقط، وهو خطأ فضيع لأنه يبثر الحرية الحقة والتي تتعلق بالمعنويات، عن الحرية التطبيقية والتي تتعلق بالماديات في الغالب، لذلك نجد كثيرا من المستبدين يتخذون هذا الجهل منفذا سالكا للاستحواذ على البشر، موهمين إياهم إلى درجة اليقين المطلق بأنهم أحرار، فنجد هؤلاء العبيد فكريا ومعنويا، يتلذذون بالحركة في المجال الجغرافي، وينتشون بقطع التضاريس الجغرافية شرقا وغربا، ويعتبرون ذلك نصرا مبينا حقق آمالهم فيما يتعلق بالحرية .

إن الذين توغل الاستبداد في نفوسهم يسارعون إلى حبس “العقل المتحرر” ويضعونه وراء القضبان، ويكبلونه بالأغلال والسلاسل، بينما ترى الملايين من العبيد يمشون في الأرض مرحا، ويرفعون شعارات لامعة تدعو إلى الحرية وكسر الأغلال .

لا تستغرب لذلك : فالفكر المتحرر من سلطة الشيخ والسلطة و الجماعة و…و …وحده كفيل بصنع المعجزات، أما الذين يستصنمون الشيوخ والحزب والجماعة والسلطة …و …و …أصحاب الأصوات الجهورية التي تعلو في صخب الجماهير فلهم نقول : ” إن أنكر الأصوات لصوت الحمير”.

إن أي فعل أو فكر تحرري مبتور من أحد شقيه – المادي أو المعنوي -، ومبتور من زعامات تؤمن بحرية مطلقة متجدرة في النفس، ضاربة في الأطناب موغلة في الأحشاء دما يجري في العروق… إن أي حرية تولد في لحظة عابرة بإيعاز من أدعياء التحرر والانعتاق، ومن محبي الشهرة والمساومة في الدهاليز المضاءة بالنور الساطع بالليل والنهار… إن أي فعل تحرري يقوده هؤلاء ويحتكرون حق التنظير الفكري له: يكفل شيئا واحدا:  أن ينهش ثلة من الكلاب المسعورة باسم المغفلين من الاتباع من الكعكة …ويتركونهم في العراء ينتظرون النتائج الوردية …وعندما يتبين لهم الحق، وأنهم أخطأوا لما كانوا قطيعا مترهلا يساق بأهواء الزعامات… ينذبون حظهم ثم يلعن بعضهم بعضا …فيضيع كل شيء .

إن القيود والأغلال لم تعد مغرية للمستبدين، ولكن هؤلاء ابتكروا ما يناسب الزمان الذي نحن فيه، فجعلوا الحرية شعارا لامعا براقا بدواخله أشد أنواع العبودية خطرا وفتكا …لقد كان العبيد سلفا يكبلون بالأغلال والسلاسل والقيود . لكن اليوم كثر العبيد وهم منتشون بالحركية في المجتمع ويظنون أنهم أحرار، وليس حول رقابهم أغلال لكنهم عبيد لفكر معين، فيقودهم بدوره إلى معين الاستعباد، فنرى أقواما يعبدون الدراهم فيتعسون في جمعها بالليل وأطراف النهار، ونرى أقواما تستعبدهم الملذات والشهوات، ويهيمون في سوقها، لا يتصرفون في كل أحوالهم حضرا وسفرا إلا بإذنها ووفق مرادها،وقلبهم متعلق بها وبها يهيم وفي فلكها يتيه، ونرى آخرين يتعلقون بأذيال الشيوخ، فلا يتصرفون إلا وفق مرادهم، ولا يعيشون إلا لأجلهم …فمتى يعزف هؤلاء سمفونية الحرية الخالدة ؟ إن عجزوا فليستمعوا إلى”الملحمة” لأنها تغني الذوق وتلهم الوجدان بوجوب التحرر .

رأي اليوم

عن الكاتب

عدد المقالات : 994

اكتب تعليق

الصعود لأعلى