انت هنا : الرئيسية » الواجهة » الشعر، صوت النساء

الشعر، صوت النساء

الصحفية والناقدة الإيطالية ريتا فيلّيريكو حاورت الشاعرة المغربية دليلة حياوي بمجلة Noi Donne
 http://www.noidonne.org/blog.php?ID=05179
خلال قراءات شعرية بــArgana TV، تعرفت على دليلة حياوي.. جمالها هادئ ومضياف، لكن تطبع ملامحها الأخاذة والمرسومة بعناية لمسة حزن وإن اجتهدت في إخفائها. رغبتُ في التحدث إليها، فكان جزائي نسخة من ديوانها: نسيم الجنوب. كنت أعلم أن قراءة نظمها لن تهب فقط الاستمتاع بالموسيقى الشعرية، لكن ستراود الروح والعقل وتقنعهما بتعميق البحث أكثر..
من هنا جاءت فكرة الحوار معها، لتعقب حكايتها عبر الكلمة المنظومة وحكايات العديد من النساء اللواتي يعشن ليس بعيدا عن فضاء سكناي.. ومشاعري نحوهن كامرأة تحاول تخطي عتبة التعاطف والإصغاء الحاني.
فما هي الأسرار الموصدة بحميميتهن كنساء يا ترى؟.. ما الذي يجعلني مختلفة عنهن إذا كان هناك اختلاف أصلا؟.. ماذا يخفي دفء بيوتهن ودفء أسرهن؟.. هل الحب حقا أرضية الخلاف، والحوار، والتطلع بدون حُجب حاجبة؟

سؤال: يطبع أبياتك حضور قوي للقدر، وإذعان له بترحاب. وكأنثى يقرّبك هذا من اختيارات الأبطال و يعوضك بشكل أو بآخر.. فهل تقاسمينني هذا الرأي؟

جواب: أبدا. لم تخطئي! أنتمي إلى عرق معروف بالعرق المحارب! وولدت بأرض تعرف بأرض الأولياء السبعة، حيث يعانق الثلج بسحره النخيل! وحيث تداعب بمحبة كل صباح قمة طوبقال ثاني أعلى جبل بإفريقيا التمر من جهة ومن أخرى زهور الزعفران!

سؤال: ذكرتُ التعويض لشعوري بأن صفحات ديوانك تنبض بعناء الصراع.. استجابة الأنثى لقواعد العادات بداخلك تصارع رغبة تجاوز الحدود التي رسمتها المدارس العتيقة، للانفتاح على آفاق معرفية وعاطفية أرحب.
بشعرك يحضر نداء الهوية قويا: يبدو كما لو أنك تتساءلين عبر – طرق مختلفة- من أنا؟ أين أتواجد؟

جواب: أن تكتب شعرا باللغة العربية يحيل على ما معناه أن تشعر ربما بما لا يشعر به الآخرون، وأن تقاسمهم مشاعرك تلك، مترقبا أن يأتيك أحدهم قائلا: “كنتِ صوتي! بُحْتِ بما تختزنه دواخلي!”.. أو: “صرختِ بدلاً عني!”.. وحتى وقت قريب ظلت تطرب أسماعي لتعليقات من هذا القبيل من نساء عربيات هنا أو بالمغرب أو الأردن أو مصر أو سورية، وطربت أكثر لما أتتني نساء إيطاليات وأوروبيات أثناء حلولي بـ: Rovereto, Roma, Reggio Emilia, Milano, Val del Comino, Sarajevo, Malta, Gaeta,… ورددن تقريبا نفس معنى التعليقات السابقة.. لكن الأجمل حينما طلب رَجُل بمدينة Formia تلاوة قصيدة بعينها لأنه وجد نفسه بين أبياتها.

سؤال: متى بدأت تولين اهتماما بالشعر؟
جواب: بدأت أولى محاولات النظم في سن الـ15، وأضرمت النار فيما كتبت آنذاك ورميت به في نافورة بيتنا العتيق بمراكش، بعد أن انتقد أخي انتقادا حادا منظوماتي لأنني في عُرفه أوليتُ اهتماما بالوزن والقافية أكثر من التصاوير الشعرية!.. لم أنس أبدا أنني جهلت لساعات إذا كانت قصاصات خواطري المحروقة البنية والسوداء قد بللتها دموعي أم مياه النافورة؟! وهكذا ومن يومها صارت الدموع محبرتي ومداد تلك المحبرةا!.. أصدقاء كثيرون يعلمون أن نظمي معناه اجتياز لحظات عصيبة ولربما أليمة.. بل بات بعض الشعراء الظرفاء يتندر بذلك!
سؤال: ماذا يمثل لك الشعر؟
جواب: لقد قدمت من وطن يخول قانونه حقوقا كثيرة للمرأة؛ لكن قبل قانونه الوضعي ذاك، الشريعة الإلهية أيضاً كفلت حقوقا وحريات للمرأة. ولتستوعبي ما أقول، من منظورك الأوروبي.. أدعوك للنبش في تاريخ “مغربي” القديم وما نسجته نساؤه من ملاحم بطولية. الأعراف بمجتمعي المغربي مع الأسف هي التي تضع.. أو كي أصدقك القول بدأت تضع منذ 1979 سلاسل بشعة بأكعابنا بدل الخلاخيل الفضية التي تزينت بها نساؤنا عبر العصور..
كلما قصدت المغرب زاد إحساسي بأن انفتاح أهله يسير نحو الانغلاق والعزلة.. والعقليات ما فتئت تضيق أكثر وأكثر!.. لم يحدث بالمغرب أن اعترض أحدهم سبيل والدتي في الستينات والسبعينات منتقدا لباسها العصري!.. أما أنا فنعم! اعترضت سبيلي ثلاث كُتَل رجالية دفعة واحدة في يوليو 2012!.. تصوري ثلاثة أجساد ضخمة جداً ترفع أكفها للسماء طالبة لك اللعنة بصوت واحد مرددة أنك لعنة الله على المدينة!
وعلى ذكر والدتي التي كانت ملكة جمال مراكش لسنة 1969، ووصيفة أولى لملكة جمال المغرب لنفس السنة، وكانت من أوائل المساعدات الاجتماعيات بعد الاستقلال.. بعد أن أدت دورا في المقاومة لتحصيل ذاك الاستقلال وعمرها يراوح بين 9 -12 سنة، وباركت أسرتها التحاقها بالعاصمة الرباط في الستينات لتتميم دراستها وتحقيق أحلامها.. قالت لي بالحرف لما أعربت عن رغبتي في الالتحاق بالعاصمة بدوري: “اِنسي الأمر!”.. واختارت أسهل طريق وأبسطه لإخلاء جانبها من المسؤولية إزاء حلمي بشق مشوار كما أبغي وأريد بإعلان خطبتي على أول طارق وأنا في ال16 من العمر ثم تزويجي في الـ17.. فهل ما زلت تنتظرين مني تعريفا شخصيا للشعر؟
سؤال: لو بإمكانك اليوم.. هل كنت لتغيري شيئا بأبياتك؟ وهل تغير شيء ما بدواخلك؟
جواب: لن أسمح بتغيير يطال أبياتي وإن كنت أنا صاحبته! كل كلمة كلمة.. شعرا أو نثرا.. هي البنت التي تقت إليها ولم أرزق بها.. وأظن أنه فات الأوان!.. كلماتي ثلة بناتٍ فخري بهن بلا حدود..
بعد زلزال الباكستان وموجة جفاف الصومال، فكرت في تبني إحدى اليتامى عبر قنوات عملي.. لكن أتعلمين ماذا كان رد فعل الزملاء العرب؟!.. تقريبا منعوني مُصرين على أنني قد أجلب العار إلى اسمي وإلى باقي العائلة المغاربية.. حيث سيظن الأقارب، والزملاء والجيران، والمعارف أن الصغيرة ثمرة خطيئة مع زنجي!.. سأكتفي بما قلت.. فحسنا تفعل الكلمات حين تهرب منك أحيانا!
سؤال: على ضوء الوقائع السياسية والاجتماعية الأخيرة، ما حجم التغيير الذي طرأ على العلاقة بين الرجل والمرأة في بلدك؟ وما هي العوامل التي تقود إلى التغيير بعمق تلك العلاقة؟ وهل يوجد فعلا تغيير؟
جواب: ببلادي الجميلة، العلاقة الرجل بالمرأة تتسلّى على أرجوحة النظري فوق رمال التطبيق المتحركة.. الرجل والمرأة متساويان كما أسلفت سواء حسب القانون الوضعي (المغرب-فرنسي) أو الشريعة ما عدا مسألة الإرث حيث يرث الأخ وحده ما ترثه أختاه معاً باعتبار المرأة كانت مسؤولة ماديا من الرجل..
المجتمع يقيد المرأة بأعذار واهية لكنها تمنح امتيازات لا تحصى للرجل من قبيل: “حشومة وعيب” لحفظ ماء وجه العائلة.. “المرأة هي اللي تشرب الماء بذبّانه” كناية عن الصبر.. “ظل راجل ولا ظل حيط” كمجاز للقيمة الاجتماعية التي يضيف الرجل لحياة المرأة.. “الرجل ما يتعاب” للقبول بالقضاء والقدر شره قبل خيره.. “الرجل سترة” ولو كانت تستره هي براتبها.. “العين ما تعلى عن الحاجب” تزكية لسمو الرجال وإن كانوا غير قوامين ولا ينفقون!..
المرأة المغربية حرة ومقيدة.. لكن هذا لا يعني أننا هناك بدون صوت بتاتا!.. أول ربانة طائرة في العالمين العربي والإسلامي كانت مغربية في سنوات الخمسينات.. أول سفيرة في تاريخ الدبلوماسية العربية والإسلامية كانت مغربية وتحديدا هنا بإيطاليا في الستينات.. أول سائقة قطار سريع بل الوحيدة في العالمين المذكورين مغربية.. أولى البرلمانيات والوزيرات مغربيات.. الطبيبات والبطلات الرياضيات والمهندسات والممرضات والقاضيات والمحاميات والنادلات وسائقات سيارات الأجرة والحافلات ومنظفات الشوارع.. المرأة المغربية لا تأنف من العمل بسيطا كان أو العكس.. ولا تخيفها التحديات!. وإذا شئتِ أزيدك بأن عمدة مراكش امرأة وقبلها بسنوات ترأست مدينة الصويرة عمدة امرأة أيضا.. ووالية منطقة الغرب التي تعد من أغنى وأهم المناطق الفلاحية (ري، زراعة بأحدث التقنيات، صيد بحري…) بالشمال الإفريقي والوطن العربي امرأة.. لكن كل ما ذكرت لا يكفي.. لأن العديد من النساء يزهدن في الكرامة والكبرياء لإرضاء شريحة من مجتمع ترى فيها مجرد معصية تمشي على قدمين.. معصية يجب التطهر منها.. ويحز في النفس أن المرأة تقبل على نفسها تجرع مرار الهوان في النصف الأول من حياتها من الزوج والحماة وبناتها وباقي “العصابة” الكريمة.. لتسقيه بدورها لامرأة أخرى في النصف الثاني بمجرد أن تزوج ابنها.. لأنها تكون قد فلحت في تربية غول صغير بأعماقه.. لأنها لم تغرس تجاه المرأة عاطفة وبالتالي الحصاد لن يعدو كونه عاصفة!
وأنا صغيرة، وأنا يافعة، والشيب يسكن مفرقي.. كنت ولا أزال شاهدة على الميز بين الجنسين داخل أسر من مختلف الشرائح الاجتماعية.. خاصة حينما يتعلق الأمر بعودة الأطفال من المدرسة.. حيث يلقي الذكر بحقيبته أينما اتفق ليجري خارجا بغرض اللعب مع رفاقه.. أو يتسمر فاتحاً فاهه أمام التلفاز كمُريد في حضرة شيخ جليل.. بينما تلملم أخته حاجياتها وحاجياته المبعثرة.. ثم تتجه إلى المطبخ لمساعدة الوالدة أو الجدة أو الخالة أو العمة في تحضير العصرونية وحملها إلى السيد الصغير الذي ربما يقل عنها ذكاء واجتهادا في المدرسة ولا يحصد سوى النتائج الهزيلة عكسها هي..
بالمغرب، لا يزال يعتبر تقديم يد العون لزوجة أو أخت عملت طول النهار لتساهم في تغطية مصاريف البيت، كغسل الأواني، أو رص الأطباق بالطاولة، أو دفع عربة أطفال أو سوق ممتاز مساسا بالفحولة!

سؤال: وإذا أردنا عقد مقارنة مع غربنا؟
جواب: ماذا عساي أن أقول؟ صحيح أن شريحة كبيرة من نسائنا عرضة للمعاملة السيئة.. لكن يمكن اعتبار تلك العادة السيئة مباركة.. نعم مباركة! رجالنا قد يهينوننا لكن يتركوننا على قيد الحياة! القوانين في الغرب أو دعيني أتحدث عن إيطاليا حيث أعيش تحمي المرأة وحمايتها تلك تجعل الرجل ضعيفا.. وبعض الضعف والخوف يخلقان وحوشاً.. الرجل بمغربي ليس بحاجة لتصفية المرأة جسديا كما يحدث هنا للتخلص منها! بإمكانه بدء حياة جديدة مع امرأة أخرى في لحظات.. أقصد ثلاثة أشهر..

وختاما أود أن أشدد على كون غربكم يخصني أيضاً! المغرب اصطلاحا يحيل على غروب الشمس، والشمس تشرق بالشرق وتغرب بالغرب. و”مراكشي” اشتهرت بكونها عاصمة الغرب الإسلامي لعصور.. إذن تاريخيا وجغرافيا أقاسمكم ذاك الغرب! ولهذا لا أشعر بالغربة!

عن الكاتب

عدد المقالات : 1263

اكتب تعليق

الصعود لأعلى