د. مفيد عرقوب: «متاهة حمراء» للمتوكل طه: حين تتمرد الحكاية على راويها من بلاغة المفارقة إلى مراوغات الذاكرة وسؤال الحقيقة
د. مفيد عرقوب
فاتحة القراءة: الحكاية في مواجهة مراياها
تفتح مجموعة «متاهة حمراء» للمتوكل طه عتبة سردية تتشابك عندها مسالك الحكاية، وتعبر منها القصة القصيرة إلى فضاءات رحبة تتجاور فيها الواقعة والغرابة، والسخرية المريرة والفجيعة الإنسانية، واليومي المعيش والأسطوري المتخيل. وتضم المجموعة خمسين نصًا تتفاوت أطوالها وتتعدد تقنياتها الفنية، لتنسج عالمًا سرديًا تتنازعه رغبتان عميقتان: رغبة حارقة في الإمساك بوجع الواقع الفلسطيني، بما يكتنفه من قسوة وتعقيد، ورغبة موازية في تحرير هذا الواقع من أطر تمثيله المباشر، وإطلاق طاقاته الكامنة على التشكيل والتخييل والتأويل.
ومنذ عتبة العنوان، توشج «متاهة حمراء» بين دلالتي الضياع والدم، وتستدعي ما يتصل بهما من صور النار والشهوة والاحتجاج والثورة. وتتسع هذه الدلالات عبر النصوص حتى تبلغ ذروتها في الحكاية الختامية «متاهة الكلام»، حيث ينتقل التأزم من جغرافيا الأحداث إلى بنية السرد ذاتها، ويصبح الكلام فضاء تتزاحم فيه الروايات المتعارضة، وتتدافع الأصوات على امتلاك الحقيقة وتفسيرها.
وتتبدى خصوصية هذه التجربة في تنوع أشكالها؛ فمن نصوصها ما يتكئ على الحكاية الواقعية، ومنها ما يستثمر المفارقة الساخرة، ومنها ما يختزل عالمًا كاملًا في مشهد خاطف أو صورة غرائبية. وعلى امتداد هذه المسالك ينهض سؤال يتجاوز مصائر الشخصيات: كيف يُروى التاريخ حين تتنازع عليه الذاكرة والسلطة والخيال؟ وأي حقيقة تبقى حين تصبح الرواية عنها جزءًا من الصراع على معناها؟
أولًا: بلاغة المفارقة… انقلاب الأشياء على معانيها
تشكل المفارقة عصبًا فنيًا بارزًا في المجموعة؛ إذ يعمد الكاتب إلى بناء مواقف تبدو عادية ومألوفة، ثم يدفعها نحو نهايات كاشفة تعري اختلالات الوجود السياسي والاجتماعي والأخلاقي، وتضع القارئ أمام الهوة بين الشعارات والممارسات، وبين ما تعلنه الأشياء وما تؤول إليه.
ففي «حزب للإيجار»، يستحيل مقر الحزب، الذي كان يومًا يتحدث باسم الجماهير، عقارًا شاغرًا يبحث عن مستأجر؛ فتتجسد المفارقة في انحدار المؤسسة السياسية من رمز للتمثيل الجماهيري إلى قيمة عقارية مجردة، وتختزل اللافتة المعلقة على المبنى تاريخًا من التآكل والفساد والانفضاض.
وتتخذ المفارقة منحى أشد إيلامًا في «ترمس.. سلام»، حيث ينتهي فدائي سابق، أفنى سنواته في النضال، إلى بيع الترمس قرب مؤتمر الفصيل الذي انتمى إليه، بينما يعبر قادته أمامه بمركباتهم الفارهة. وتبلغ القصة ذروتها حين تتداخل نداءات البائع مع هتافات المؤتمر، في مشهد تصطدم فيه ذاكرة التضحية بحاضر الامتيازات، وتتحول اللغة نفسها إلى شاهد على خذلان المناضل الذي أصبح غريبًا عن المؤسسة التي أسهم في صنع تاريخها.
وفي «مختار القرية»، تتكرر دورة الاستبداد بوجوه جديدة؛ فالشاب الذي ثار على تسلط المختار القديم ينتهي إلى ممارسة أشكال أخرى من الاستحواذ بعد وصوله إلى المنصب. وتأتي عبارة التلميذ «راح مختار، وجاء مختار» لتختزل المشهد، وتكشف قدرة السلطة على إعادة إنتاج بنيتها، وإن تبدلت الوجوه والتسميات.
أما «وزير المانجو»، فتقيم سخريتها على سوء قراءة القرب من الحاكم؛ إذ تتحول مقابلة عابرة بشأن فاكهة المانجو إلى مصدر نفوذ سياسي متخيل، قبل أن تفتح لصاحبها أبواب الوزارة. وتفضح القصة استعداد البنية البيروقراطية لتصديق الوهم وتسويقه، حتى يغدو الالتباس نفسه طريقًا إلى السلطة.
وهكذا تتجاوز السخرية وظيفتها الإضحاكية لتصبح أداة معرفية تكشف فساد المعنى، وتعرّي المسافة بين المظهر والجوهر، وتستدرج القارئ إلى اكتشاف ما تختبئ وراءه السلطة من تناقضات.
ثانيًا: الغرائبية… استعادة ما عجز الواقع عن حمايته
تكتسب الغرائبية في المجموعة خصوصيتها حين تنهض من صميم عناصر فلسطينية شديدة الألفة: الشجرة والماء والبيت والمرآة والصورة، فتحيلها إلى كائنات تمتلك ذاكرة وإرادة وقدرة على مقاومة المحو، حتى يبدو الخارق امتدادًا لما تختزنه الحياة اليومية من وجدان وحنين وفجيعة.
ففي «أشجاره نساء»، تتجاوز علاقة أبي صبحي بأشجاره حدود الألفة الزراعية؛ إذ يمنحها أسماء النساء، ويحادثها ويلاطفها بوصفها أفراد أسرته. ثم ينكشف جذر الفجيعة حين يروي أن الجنود منعوا المزارعين من الوصول إلى حقولهم طوال أشهر أثناء شق طريق للمستوطنة الجديدة. وهنا يستحيل بكاء الأشجار صورة للقطيعة المفروضة بين الإنسان وأرضه، ويغدو اعتذار أبي صبحي لها تعبيرًا عن مأساة من حُرم القدرة على رعاية ما يحب.
وفي «براعم حمراء»، يتحول الرصاص المستخرج من جسد جريح غامض إلى أزرار ورد حمراء، وتستحيل ملابسه المضرجة بالدم باقة حنون يانعة؛ فتنتقل العلامة من الموت إلى الحياة، ومن الجرح إلى التفتح، في مشهد يترك للقارئ فسحة للتأويل بين المعجزة والحلم ورمزية الانبعاث.
وحين يبتسم الشهيد في «ابتسامة الملصق» للأطفال بعد خمسة وعشرين عامًا من رحيله، بينما يعجز الكبار عن رؤية ابتسامته، تتجسد علاقة الأجيال بالذاكرة في صورة نابضة، تمنح الغائب حضورًا متجددًا دون أن تحسم سر هذا التفاوت في الرؤية.
وفي «الخالق الناطق»، تنجب أرملة شهيد طفلًا غير مرئي، تتكشف ملامحه شيئًا فشيئًا، حتى يظهر شبهه بأبيه الراحل. ويتوزع الحضور هنا بين الصوت والصورة، والغياب والتجسد، في استعارة لاستمرار الأثر الإنساني بعد انطفاء الجسد.
وفي هذه المشاهد تتناثر غزلان المعاني بين أغصان الحكاية؛ فما إن يظفر القارئ بإحدى دلالاتها حتى تلوح له أخرى، تتأرجح بين الفقد والانبعاث، والذاكرة والحلم، والحضور والغياب. ولعل أخصب هذه التجليات ما يترك للصورة حق الإفصاح عن معناها؛ إذ تبلغ الغرائبية قوتها حين تغني الدهشة عن الشرح، ويغدو الخارق لغة تستعيد بها الذاكرة ما عجز الواقع عن حمايته.
ثالثًا: المكان..من جغرافيا العيش إلى ذاكرة الاقتلاع
يحتل المكان موقعًا محوريًا في المجموعة، متجاوزًا دوره بوصفه مسرحًا للأحداث، ليغدو حاملًا للهوية والذاكرة والعلاقات الاجتماعية. فالأمكنة مشبعة بأصوات سكانها وطقوسهم ومواسمهم، ويصبح الاعتداء عليها اقتلاعًا لشبكة كاملة من المعاني.
في «بير النبعة»، يستعيد السرد حياة القرية المتوارثة حول مورد الماء، حيث اللقاءات والأعراس والطقوس اليومية، قبل أن تفصل الأسلاك الشائكة السكان عن نبعهم، وتتحول حادثة لدغ الحاخام إلى ذريعة لمهاجمة القرية وإحراق بيوتها وحقولها. وهكذا يغدو الماء، بوصفه أصلًا للحياة، محورًا لفجيعة تتجاوز فقدان المورد إلى تهديد المكان وأهله.
وفي «شارع أبو رباب»، تتراكم تفاصيل المطحنة وأدواتها ومواسم العمل فيها وأحاديث روادها، لتشكل نسيج الجماعة الحية. وبعد استشهاد صاحبها تحت التعذيب وهدم المطحنة، يحتفظ المكان بأثره في ذاكرة الناس، الذين يطلقون على الشارع الجديد اسم «شارع أبو رباب»، رغم تسميته الرسمية «شارع المطحنة». وهنا تستعيد الذاكرة الشعبية الاسم الإنساني من قبضة المحو.
وتبدو «الغائب» آية في التكثيف والاقتصاد السردي؛ فالأب يكرر سؤاله عن عودة ابنه فارس طوال أربعين عامًا، ويعود في كل مرة إلى حقله، حتى تلتهم المصادرة الأشجار ويزحف الإسمنت نحو البيت. وحين يفقد الحقل، يفقد الانتظار موضعه المكاني، بينما يظل السؤال قائمًا، وقد خسر آخر الملاذات التي كانت تمنحه القدرة على الاحتمال.
ولعل غزالة المعنى الشاردة في هذه القصة تكمن في أن الأب، حين فقد الحقل الذي كان يؤوي انتظاره، ظل يسأل عن ابنه؛ فكأن المصادرة استطاعت اقتلاع الأشجار، وبقي السؤال عصيًا على الاقتلاع.
وتفتح هذه المشاهد سؤالًا ثقافيًا عميقًا: ماذا يبقى من المكان حين تُقتلع أشجاره وتتغير معالمه؟ وتوحي المجموعة بأن أسماء الناس وحكاياتهم وتفاصيل معاشهم تظل قادرة على استعادة شيء من حضوره، حتى بعد تعرض صورته المادية للمحو.
رابعًا: الجسد والطبيعة..وقلق الحدود
يحضر الجسد في نصوص المجموعة محملًا بالرغبة والخوف والألم، وبما ينشأ حوله من مفارقات بين المحظور والمشتهى، والواقع والمتخيل، والوعي وما يستتر خلفه من نزعات وهواجس.
ففي «الحصان العاشق»، تتحول عين الحيوان إلى موضع للمراقبة والرغبة والشهادة، ثم تنقلب هذه العلاقة إلى فعل عنيف ينتهي بمقتله، لتبقى صورة المرأة في عينه علامة على التداخل الغريب بين الشهوة والذاكرة والموت.
وفي «مرآة الجدة»، تسقط المسافات الفاصلة بين الأجيال حين تستعيد المرآة القديمة صورًا حميمة من تاريخ العائلة، وتكشف للفتاة ما كان مستورًا من حياة أسلافها، حتى تبلغ المكاشفة ذروتها بتحطيم المرآة، وكأن الفتاة تحاول الخلاص من معرفة أربكت صورتها عن نفسها وعن الماضي.
أما «الانكشاف»، فتجعل القدرة على سماع أفكار الآخرين عبئًا نفسيًا باهظًا؛ إذ تتكشف للشخصية الفجوة بين القول والمضمر، حتى تفقد الثقة بمن حولها، ويغدو امتلاك المعرفة مصدرًا للعزلة بدل أن يكون سبيلًا إلى التواصل.
ولعل اللافت في هذه المعالجات أن الجسد يغدو فضاءً تتقاطع فيه الرغبة والذاكرة والخيال، وتتداخل عند تخومه الغريزة بالوعي، والحقيقة بالوهم، والمألوف بالعجائبي. ومن هذا التداخل يستمد السرد طاقته على استكشاف المناطق المستترة في النفس الإنسانية، حيث تتحول التفاصيل الحسية إلى مفاتيح لقراءة الشخصيات، واستنطاق ما يعتمل في دواخلها من أشواق ومخاوف وتناقضات.
خامسًا: بلاغة التكثيف..حين تختزن الومضة عالمًا
تتفاوت نصوص المجموعة في أطوالها وطرائق بنائها، وتبرز بينها قصص قصيرة جدًا تراهن على اقتصاد اللغة وقوة المفارقة الختامية.
ففي «السجين السجان»، يتكرر حلم السجين المقيد، ثم يظهر شبيهه خارج القضبان، قبل أن تنتهي القصة إلى التباس مفاجئ: السجين هو ذاته السجان. وتفتح هذه النهاية احتمالات تتصل بالقهر الداخلي وإعادة إنتاج السلطة، وتداخل موقع الضحية بموقع جلادها.
وفي «إسقاط»، يكتشف الراوي من خلال شهادة صديقه أن الرجل الذي كان يراه مع امرأة على الشرفة هو نفسه، فتتزعزع الحدود بين المشاهدة والتخيل، ويصبح ما ظنه واقعة خارجية انعكاسًا لصورة كامنة في ذاته.
أما «الحياة كمين»، فتمنح تمثالًا ناقصًا قدرة على الحركة والكلام، وتجعله يعترض على استقامة الطريق التي يراها الرجل بعينيه، لينتهي المشهد إلى مفارقة تكشف المسافة بين استقامة الظاهر واعوجاج التجربة.
وتوحي هذه النماذج بأن المتوكل طه يمتلك قدرة واضحة على اقتناص اللحظة القصصية المكثفة حين يثق بالصورة، ويترك لخاتمتها أن تعيد تأويل ما سبقها.
وفي المقابل، تميل بعض النصوص الأطول، مثل «حزب للإيجار» ومقاطع من «قاعة الشهداء للأفراح»، إلى الاستطراد في الشرح السياسي والاجتماعي، بما يبطئ حركة الحكاية أحيانًا، ويجعل الفكرة تتقدم على تجسيدها الفني. ويتحدد هنا أحد أسئلة التجربة الجمالية: كيف تتوازن حرارة الموقف مع صرامة البناء، وكيف تتسع الدلالة كلما استغنت الصورة عن فائض تفسيرها؟
سادسًا: «متاهة الكلام»..قطب الرحى ومساءلة سلطة الراوي
تأتي «متاهة الكلام»، وهي النص الخمسون والأطول في المجموعة، لتغدو قطب الرحى الذي تنتظم حوله خيوط الحكايات السابقة، وتتقاطع عنده مسالك الذاكرة والتخييل والارتياب. فبعد أن تبدو القصص وقد استكملت عوالمها ومصائر شخصياتها، يفاجئنا الراوي بسلسلة من الاعترافات والتراجعات والتصحيحات التي ينقض بعضها بعضًا، حتى يصبح مصدر الحكايات نفسه موضوعًا للريبة والمساءلة.
مرة ينسب النصوص إلى شيخ يرويها في حالاته الروحية، ومرة يعدها مجرد خيال وتلفيق، ثم يذهب إلى إنكار المأساة الفلسطينية قبل أن يعود إلى تأكيدها، وينفتح بعد ذلك على احتمالات تتصل بسرقة حكايات الآخرين، واستبدال مواقع المحتل والضحية، والمخطوطات المكتشفة، والمنامات، وحكايات المرضى النفسيين.
ولعل أعمق ما تنطوي عليه هذه المراوغة السردية أن الراوي، كلما ادعى امتلاك الحقيقة، عمد إلى نقض دعواه، حتى يغدو شاهدًا على اضطراب شهادته، ومتهمًا في محكمة الحكايات التي أنشأها بنفسه. وتكتسب هذه اللعبة الفنية أبعادًا أشد خطورة حين تمتد إلى تبديل مواقع الجلاد والضحية، واستلاب حكاية الآخر، وإعادة توزيع الأدوار على نحو يفضح قدرة الخطاب المهيمن على مصادرة التاريخ وتزييف الذاكرة.
وهنا تلوح تمرة الغراب النقدية؛ ذلك المعنى الذي يكشف أن الراوي، وهو يتوالى على نقض شهاداته، يجعل صدقية الحكاية ذاتها موضوعًا للسرد، ويستدرج القارئ إلى مساءلة سلطة الرواية على الحقيقة.
وهكذا تتحول «متاهة الكلام» إلى مرآة ارتدادية تعيد مساءلة القصص السابقة، وتستنفر وعي القارئ لتمييز الحقيقة التاريخية من أقنعة تمثيلها السردي. وتتجلى هنا تقنية الراوي غير الموثوق به، الذي تتزعزع سلطته كلما حاول تثبيتها، فيصبح النص بناء فوق سردي يتأمل شروط إنتاج الحكاية وملكيتها وشرعية نسبتها إلى أصحابها.
وتبلغ المفارقة إحدى ذراها حين ينقل الراوي الحكايات من أرض إلى أخرى، ثم يعترف بأنه استولى على قصص شعب آخر وألبسها أسماء فلسطينية، قبل أن يقلب الأدوار ويجعل المحتل ضحية والضحية جلادًا. وهنا يحاكي التخييل عمليات السطو على الرواية التاريخية، ويكشف ما تفعله القوة حين تستولي على حق الآخرين في تسمية مأساتهم وروايتها.
ولعل توالي الاعترافات المتعارضة وتكاثر احتمالاتها يمثل خيارًا سرديًا مقصودًا، يمعن من خلاله المتوكل طه في تعميق المتاهة وإطالة أمد الارتياب، حتى يغدو تكرار النقض نفسه أداة فنية لزعزعة اليقين. فكلما أوشك القارئ على الاطمئنان إلى رواية، باغته الراوي باحتمال آخر يعيد ترتيب المشهد، ويفتح أبواب التأويل من جديد. وهكذا يكتسب الاستطراد وظيفة بنائية تتصل بجوهر التجربة، حيث تصبح مراوغة الحقيقة جزءًا من جماليات السرد، ويغدو تعذر الاستقرار على رواية واحدة تجسيدًا حيًا للمتاهة التي يحملها عنوان المجموعة.
وتبرز القيمة الفنية للنص الختامي في أثره الرجعي على قراءة المجموعة؛ إذ يكتشف القارئ أن القصص التي بدت مستقلة قد دخلت في متاهة أوسع تتعلق بالصدق والخيال والذاكرة وسلطة الراوي. فإذا كانت القصص التسع والأربعون قد عرضت صورًا متعددة من الواقع الفلسطيني وتحولاته، فإن القصة الخمسين تعيد مساءلة الكيفية التي صُنعت بها تلك الصور، وتضع الحكاية ذاتها أمام امتحان الحقيقة.
مسك الختام: النصّ الذي يعيد كتابة نفسه
تقدم «متاهة حمراء» تجربة سردية متعددة المسالك، تبلغ أخصب مناطقها حين تمنح التفاصيل البسيطة قدرة على حمل الفجيعة الكبرى، وحين تتحول السخرية إلى أداة لكشف الاختلال، والغرائبية إلى فضاء تستعيد فيه الأشياء المهددة بالمحو أصواتها وذاكرتها.
وتتجلى إحدى أبرز خصائص المجموعة في التوتر بين بلاغة التكثيف وبلاغة الاستطراد، وبين حرارة الموقف الوطني ومتطلبات البناء الفني؛ ففي نصوصها الأكثر إحكامًا تتقدم الصورة لتنجز ما قد تعجز عنه صفحات من الشرح، بينما تتيح النصوص الأكثر امتدادًا مجالًا لتراكم الأصوات وتعدد مستويات الحكاية.
وتبقى رمانة الميزان في تقدير هذه التجربة قدرة المتوكل طه على تحويل الحكاية من وعاء للذاكرة إلى أداة لمساءلتها؛ فالنص الذي يستحضر الوقائع والمصائر ينتهي إلى امتحان طرائق روايتها، ويستنهض وعي القارئ لحراسة المسافة بين الحقيقة وأقنعتها.
وتتكشف المغامرة الأشد إثارة في «متاهة الكلام»، حيث تمتد المتاهة إلى اللغة نفسها، ويصبح الراوي، الذي تولى قيادة القارئ عبر الحكايات، موضع مساءلة وشك. عندئذ تنتقل القراءة من تتبع الوقائع إلى فحص طرائق روايتها، ومن الإصغاء إلى الشهادة إلى اختبار شروط صدقيتها.
وهكذا يقودنا المتوكل طه عبر تسع وأربعين حكاية إلى البحث عن الحقيقة في وجوه الناس والأمكنة والأشياء، ثم يفتح في الحكاية الخمسين أبواب الشك في الطرق التي أوصلتنا إليها. ومن رحم هذا الانقلاب تنبثق دلالة العمل الأبعد: أن الذاكرة تحتاج إلى من يصون شواهدها، وأن الحكاية تظل يقظة ما دامت قادرة على مساءلة راويها، وتجديد أسئلتها، ومقاومة ما يتهدد الحقيقة من محو ومصادرة وتزييف.
ولعل ما تفتحه هذه المجموعة من آفاق دلالية وجمالية يدعونا إلى إعادة النظر في المنجز الإبداعي الواسع للمتوكل طه، بما يختزنه من ثراء وتنوع وطاقات تأويلية متجددة. فهذا المنجز جدير بأن يظل حاضرًا على مائدة النقد، تتعاقب عليه القراءات، وتستنطق طبقاته، وتلاحق غزلان المعاني الشاردة بين شعابه، وتلتقط ما يتوارى في أعماقه من معان بكر تنتظر من يوقظها من مكامنها. وما أحوج هذه التجربة إلى أقلام نقدية تواصل الحفر في تضاريسها، وتكشف عن كنوزها الجمالية والفكرية؛ فالأعمال الكبيرة تظل قادرة على إغراء النقد كلما ظن أنه بلغ قرارها، فإذا بها تفتح أمامه أبوابًا أخرى للدهشة والاكتشاف.

