انت هنا : الرئيسية » الواجهة » عبدالحميد البجوقي: برلين.. المغاربة ورماد التاريخ المبتور

عبدالحميد البجوقي: برلين.. المغاربة ورماد التاريخ المبتور

عبدالحميد البجوقي

 المصدر

في صباح اليوم التالي، الجمعة 23 أكتوبر 2026، استأنفتُ جولتي في برلين، كأنني أواصل السير لا في شوارع المدينة فحسب، بل في طبقات ذاكرتها المثقلة بالرماد.

انتابني إحساس بأنني بدأت أعتاد هذه المدينة، فإذا بها تُفاجئني مرة أخرى، كأن برلين لا تسمح لزائرها أن يمشي فوق أرصفتها من دون أن يدفع  حصته من ضريبة الذاكرة.

زرتُ متحفاً يعرض بقايا من ذاكرة الحرب العالمية الثانية والهولوكوست. لم يكن كباقي المتاحف، كان أشبه بجرح مفتوح في جسد القرن العشرين. صور، أفلام قصيرة، وثائق، خرائط، أصوات، أسماء، وجوه بشرية توقفت عندها الحياة في لحظة ما..

صور المحرقة ودخانها، أشلاء القنابل تحت الزجاج، وخرائط المدن التي ابتلعتها النار، وصور الشوارع وهي تتحول إلى أنقاض، والجنود وهم يتقدمون وسط الخراب، بعضهم ذاهب إلى الموت، وبعضهم عائد منه، وبعضهم تائه يبحث عن طريق العودة.

المتحف يعرض التاريخ بعناية شديدة.

الاتحاد السوفياتي، الذي دفع ثمناً بشرياً هائلاً في معركة برلين الأخيرة، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والجنود الذين سقطوا على الجبهات الأوروبية، وأسماء المعارك والتواريخ والأرقام. تاريخ طويل من الدم، لكنه تاريخ موثق، محفوظ، مؤطر، ومهيأ لكي تتذكره الأجيال.

خرجت من المتحف وفي رأسي سؤال صغير، لكنه أخذ يكبر كلما ابتعدت عنه:

أين المغاربة؟

عدت إلى الفندق، وجلست أمام الحاسوب، وفتحت محرك البحث. سألتُ السيد غوغل، كأنني أحدث شاهداً قديماً:

أرني المغاربة الذين حاربوا النازية..  ثوانٍ ووجدت ما كنت أبحث عنه، لكنني لم أجده في المتحف، وجدت أن عشرات الآلاف من المغاربة شاركوا في الحرب ضمن القوات الفرنسية والحليفة. بعض المصادر تُشير إلى نحو سبعين ألف مغربي شاركوا في تحرير أوروبا، من إيطاليا إلى فرنسا ثم ألمانيا.

عثرتُ على أخبار الغوميين المغاربة في إيطاليا، وفي كورسيكا، وفي معركة غاريليانو، وفي مرسيليا، وفي جبال الفوزج، ثم في الطريق إلى ألمانيا. وجدت أن وحداتهم تحمل على راياتها أسماء بلدانهم الأصل إلى جانب الأوروبية، المغرب، تونس، صقلية، كورسيكا، إيطاليا، فرنسا، ألمانيا.

وجدتُ أن معركة مرسيليا، التي تحولت في الذاكرة الفرنسية إلى واحدة من صفحات التحرير المجيدة، كان للمغاربة فيها حضور عسكري كبير، وتُشير دراسة تاريخية إلى وجود نحو عشرة آلاف من الغوميين المغاربة في تلك المعركة.

وجدتُ أرقاماً تتنازع بعضها بعضاً حول الخسائر، كما يحدث دائماً حين يتعلق الأمر بمن لا يملكون حق كتابة تاريخهم بأيديهم. هناك تقديرات تتحدث عن آلاف القتلى والجرحى والمفقودين، فيما تُشير سجلات فرنسية إلى 1.638 قتيلاً فقط في صفوف الغوميين خلال الحرب.

أدركت حينها شيئاً أكثر مرارة، أدركتُ أن المشكلة لم تكن أن التاريخ لم يعرفهم، المشكلة أن التاريخ الرسمي عرفهم ثم نسي أن يذكرهم.

هؤلاء الرجال لم يولدوا فرنسيين، ولم يكونوا أوروبيين، ولم يذهبوا إلى الحرب بوصفهم مواطنين متساوين في إمبراطوريات الحرية. كانوا أبناء مستعمرة، مغاربة أرسلتهم فرنسا إلى حربها، كما أرسلت رجالاً آخرين إلى الهند الصينية. كانوا، في لغة الاستعمار، جنوداً مُهيئين للموت من أجل وطن لم يكن وطنهم. وحينها فقط كان دمهم فرنسياً بما يكفي ليُراق.

لعل المفارقة أن الاستعمار يقول للمغربي حينها أنه ليس فرنسياً حين يتعلق الأمر بالحرية، لكنه فرنسي حين يتعلق الأمر بالموت.

ولعل أكثر ما يؤلم في الحكاية أن هؤلاء الرجال لم يقاتلوا من أجل النازية. بل قاتلوا ضدها، في زمن كان فيه العالم يحتاج إلى كل بندقية وكل قلب وكل جسد يستطيع الوقوف في وجه الفاشية.

مات الآلاف منهم من أجل تحرير فرنسا، وبعضهم من أجل تحرير أوروبا، وربما كان بينهم من لم يعرف لماذا ينبغي له أن يموت في أرض بعيدة، لكنه عرف شيئاً واحداً، عرف أن الرصاصة الألمانية لا تسأل عن جنسية الرجل قبل أن تقتله.

وأنا أتأمل ذلك في غرفتي ببرلين، عادت إليّ صور المتحف.

رأيت الجنود الذين كانوا هناك. رأيت السوفياتي والأمريكي والبريطاني والفرنسي. ثم حاولت أن أرى المغربي ولم أجده، بحثت عن نصب، عن لوحة، عن ساحة، عن اسم شارع، ولو جملة واحدة تقول:

هنا تذكر أوروبا أبناء المغرب الذين قاتلوا من أجل تحريرها.

ربما هناك استثناءات في أماكن أخرى، ربما يوجد نصب ولوحات تُخلد الغوميين في بعض المدن الفرنسية، كما هو الحال في مرسيليا.

لكنني كنت أبحث عن شيء آخر، كنت أبحث عن مكان في الذاكرة الأوروبية نفسها، كنتُ أبحث عن اعتراف لا يحتاج إلى هامش.

كنتُ أبحث عن المغربي لا باعتباره «غومياً» مجهول الاسم، ولا باعتباره رقماً في أرشيف عسكري، ولا باعتباره جندياً قادماً من مستعمرات فرنسا، وإنما باعتباره إنساناً شارك في هزيمة النازية.

وهنا يُصبح السؤال أكبر من المغرب، يُصبح سؤالاً عن الطريقة التي يكتب بها الغرب تاريخه.

من له الحق في أن يكون بطلاً؟ ومن يملك الحق في أن يدخل المتحف؟

ومن يُقرر أي دم يستحق أن يُخلّد، وأي دم يكفي أن يُدفن ثم يُنسى؟

لقد كان الغرب مُحقاً في إدانة النازية، وفي بناء متاحفه ونصبه وشواهده كي لا تتكرر الكارثة.

لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يواجه وجهاً آخر من تاريخه، وجهه الاستعماري.

لا يمكن أن تكون الذاكرة عادلة إذا كانت تتذكر الضحية الأوروبية وتنسى الجندي القادم من المستعمرة.

ولا يمكن أن تكون الحرية كاملة إذا كانت بعض الدماء التي دفعت ثمنها تُذكر بأسمائها، بينما تُترك دماء أخرى في أسفل الصفحة.

أنهيتُ البحث وأنا أفكر في مفارقة تكاد تكون جارحة في بساطتها، لم يكن المغربي غائباً عن تحرير أوروبا، فقط كان غائباً عن الصورة التي اختارت أوروبا أن تحتفظ بها عن نفسها.

وهذه، ربما، هي أخطر صور النفاق والنصب على التاريخ، أن تُحرر الأرض، ولا تُحرر الرواية، أن يموت الإنسان من أجل حريتك، ثم تنسى اسمه عندما تكتب قصة حريتك.

في برلين اليوم وبعد زيارة متحف الحرب، وحيث حاول النازيون أن يحرقوا العالم باسم عرق واحد، اكتشفتُ أن محو الإنسان يمكن أن يبدأ بطريقة أكثر هدوءاً من المحرقة، يمكن أن يبدأ بحذف اسمه من الصورة.

بينما كان الليل ينزل على برلين، أغلقت الحاسوب، لم أكن غاضباً، كنت فقط حزيناً.

التاريخ لا يكذب دائماً، لكنه أحياناً يفعل شيئاً أكثر قسوة، يقول نصف الحقيقة، ثم يتركنا نؤمن أن النصف الآخر لم يكن موجوداً.

أما أولئك المغاربة الذين عبروا المتوسط إلى حرب لم تكن حربهم، وسقطوا في طريق تحرير أوروبا، فقد كان لهم حق واحد على الأقل:

أن يُذكروا، لا صدقةً من أحد، ولا منّةً من فرنسا، ولا اعتذاراً متأخراً من أوروبا.

بل لأنهم كانوا هناك، ولأنهم، مثل غيرهم، دفعوا من دمهم ثمناً لعالم أراد أن يكون حراً.

عن الكاتب

عدد المقالات : 1762

اكتب تعليق

الصعود لأعلى