محمد المخلافي: صراع الدين والحب في رواية (هفوة) لبسام شمس الدين عن يهود اليمن
محمد المخلافي
(إن تسلم زهرة أو يتهود عولق)، (ص111)
بهذه العبارة يمكن الاقتراب من رواية (هفوة) للروائي اليمني بسام شمس الدين، الصادرة عن دار عبادي بصنعاء عام 2011، في 158 صفحة من القطع المتوسط، والتي تحكي عن عولق، الشاب الذي وجد نفسه محاصرًا بين الحب والدين، وبين القيود التي فرضها عليه المجتمع.
تدور أحداث الرواية في الربع الأول من القرن العشرين، حين كان اليهود جزءًا من المجتمع المحلي في اليمن، قبل هجرتهم الجماعية منتصف القرن العشرين عبر ميناء عدن في عملية ٲطلق عليها اسم (بساط الريح).
وقد أخبرني الكاتب أن تهجير ما تبقى من العائلات اليهودية من شمال اليمن هو ما دفعه إلى كتابة هذه الرواية والغوص في تفاصيل الماضي، مستفيدًا مما سمعه من بعض كبار السن الذين عاشوا تلك الحقبة.
تستعرض الرواية حكاية (زهرة)، المرأة التي عاشت حياة لم تكن سهلة. عندما بدأت تكبر، زاد جمالها وبانت مفاتنها، وكان أبوها الحاخام إسحاق، رجلًا محافظًا وغيورًا يخاف عليها من نظرات الشباب ومضايقاتهم لها، فعمل على إبقائها في البيت وعدم السماح لها بالخروج.
ثم أجبرها على الزواج من حبر يهودي اسمه سالم عبدول، كان يكبرها بعشرين عامًا، ويعمل أمينا لصندوق البر والإحسان اليهودي. لكنه كان باردا في تعامله معها، وكذلك في معاشرتها. لم يستمر زواجهما طويلا، إذ طلبت من الحاخام يعيش فسخ زواجهما، فطلب منها مبررا مقنعا للفسخ، فرفعت ٲطراف فستانها وقالت له بتصميم: (يقول الرب في إحدى وصاياه: اهتموا بالأعضاء التي خرجت منها رؤوسكم، أليست هذه تستحق الاهتمام؟ أرجوك، أيها الحاخام المخلص للرب، أنقذها من عضو سالم النائم)، (ص18). فٲصيب الحاخام بالذهول، وسارع في فُسخ زواجها متذمرا من جرآتها..
بعد وفاة أبيها وفشل زواجها، بدأت زهرة تشق طريقها بنفسها، فأنشأت سمسرة (فندق شعبي) لمبيت المسافرين في قاع اليهود وسط صنعاء، إلا أن الناس لم يتقبلوا ذلك، بحجة أن النساء غير مسموح لهن القيام بمثل هذه الأعمال، وظنوا أنها ستكون مصدر إغواء، وتتسبب بالمتاعب، لكنها لم تستسلم، وناضلت في سبيل تنفيذ مشروعها.
وفعلا واجهت زهرة مضايقات كثيرة من بعض النزلاء القادمين من الأرياف، حتى أتى عولق، الشاب القادم من عدن، وهو معلم اللغة الإنجليزية في مدرسة بعدن، وله ماضٍ سياسي جعله يترك منظمة سرية بعد خلاف معها. وفي المساء، كان يقضي وقته في قراءة الكتب ولا يتلصص على جسد زهرة كما يفعل النزلاء الآخرون. وكان يدفع ما عليه من أجر المبيت في الوقت المناسب، وانتبهت زهرة إلى أنه شخص مختلف مثير للاهتمام، ولم يكن أحد يعلم أنه يعمل بالمدينة القديمة في مهنة تنظيف (المطاهير) إذ لا توجد مدارس أو أعمال لائقة.
أحب زهرة وكان يريد الزواج منها، ويحلم أن يكون لهما بيت وأسرة، لا شيء أكثر من ذلك. لكن الفقهاء والأحبار كانوا يضعون قيودا وشروطا قاسية للزواج بين المسلمين واليهود.
وازدادت الأمور تعقيدًا عندما أنجبت زهرة طفلًا من عولق بطريقة غير شرعية. لذلك قررا أن يتزوجا، لكن لكي يتم ذلك كان لا بد أن تعتنق زهرة الإسلام، أو يعتنق عولق اليهودية. وحتى هذا كان غير ممكن، فاليهود وكذلك المسلمون يرفضون المروق من الدين.
ومن هنا تبدأ (الهفوة) التي وقعت بين عولق وزهرة، وأسفرت عن ميلاد عبدو، الذي أتى إلى الحياة نتيجة علاقة عابرة، لتتحول تلك الهفوة إلى حياة صعبة دفع ثمنها عولق وزهرة وعبدو. وهذا الأخير هو طفل (الهفوة) الذي وجد نفسه منبوذا ومطاردا بلا ذنب.
عبدو ذلك الطفل الذي لم يكن له يد فيما حدث، الا أنه دفع الثمن حتى قبل ولادته وهو جنين في بطن أمه، أبتعد عن أمه وعمل عند الحلاق غيلان الذي تبناه، وتعرض للقسوة والانكار، ثم عاد إلى أمه زهرة. وعندما قابلته ضمته إلى حضنها وقالت له: (ستبقى معنا واسمك هو عبدو، سنناديك به)، (ص 76).
تصل الحكاية إلى ذروتها حينما باع عولق السمسرة وفرّ برفقة زهرة وعبدو ليلًا باتجاه عدن. وتزامن فرارهم مع رحيل من تبقى من يهود اليمن إلى فلسطين، فانضموا إليهم ورحلوا بعيدا عن بلادهم، وهذا هو الخيار الأخير الذي تبقى لهم.
رواية تبحث عن ناشر
تُرجمت رواية (هفوة) إلى الإنجليزية بواسطة الأكاديمي الأمريكي مارك إس. فاغنر، أستاذ اللغة العربية في جامعة ولاية لويزيانا، المعروف باهتمامه بالأدب العربي والتاريخ الثقافي لليهود في اليمن، وله دراسات وكتب تناولت العلاقة بين المسلمين واليهود في اليمن في فترات مختلفة.
وفي تقديمه للرواية، ذكر أن الرواية تلتفت إلى حياة اليهود باعتبارها جزءًا من ذاكرة الشرق الأوسط، وتوقف عند عولق وزهرة، وقال إن قصتهما ليست قصة حب رومانسية بالمعنى المعتاد، وإنما علاقة تتداخل فيها الرغبة مع الظروف الاجتماعية والدينية. وأن الرواية تحدثت أيضًا عن الفقر والبؤس في صنعاء، إلى جانب التفاصيل الاجتماعية والتاريخية التي صاحبت أحداث الرواية.
وقد أعلمني الكاتب أن السيد فاغنر بذل جهدا في ترجمة الرواية للانجليزية، غير أن العثور على ناشر لها في الولايات المتحدة لم يكن أمرًا سهلًا. ويرى الكاتب أن طبيعة الرواية وجرأتها في تناول موضوعات الرغبة والجسد والدين ربما كانت أحد الأسباب التي حالت دون ذلك.
ومع ذلك، حظيت الرواية باهتمام نقدي، و تناولتْها بعض الدراسات الأكاديمية، من بينها دراسة بعنوان (ملامح الشخصيات اليهودية في رواية هفوة لبسام شمس الدين: دراسة تحليلية لوجهة النظر السردية) للدكتور محمد بن عبدالله منور آل مبارك، أستاذ الأدب والنقد في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود، ونُشرت في المجلة العلمية بكلية الآداب بجامعة طنطا، العدد 49، عام 2022، في 24 صفحة. وبحسب ما أخبرني الكاتب، فقد أثارت الرواية بعض المضايقات تجاهه من قبل بعض المتزمتين.
لكن بسام شمس الدين واصل الكتابة، وبقي قلمه وفيا للأدب الذي يريده، بشجاعة لافته. وكما قال أحد النقاد المحليين الكبار: (بسام يكتب بريشة فنان، حتى إنك تشعر بشخصيات النص تتحرك أمامك، وتظل أحداث قصصه عالقة في وجدانك).
ومن خلال تجربتي الخاصة في قراءة نصوص الروائي بسام أجد نفسي أحلق في فضاء مفتوح من المتعة والدهشة، وهو الشعور الذي يخلقه الأدب المميز الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويولد ليظل خالدا.
وبعدما أنهيت قراءة (هفوة)، ظلت عبارة عولق: (إن تسلم زهرة أو يتهود عولق) ترن في ذهني، لأنها تضعنا حائرين أمام محنة الحب الإنساني الذي يصطدم بقيود المجتمع والدين.