انت هنا : الرئيسية » الواجهة » سياسات المناطق العازلة لإريتريا: من شرق السودان إلى إقليم تيغراي الإثيوبي

سياسات المناطق العازلة لإريتريا: من شرق السودان إلى إقليم تيغراي الإثيوبي

المصدر:

ترجمة:

قد لا يكون التطور الأهم والأكثر تأثيراً في منطقة القرن الأفريقي جارياً في أي من عواصمها؛ بل تتكشف فصوله عبر سلسلة من المناطق الحدودية الممتدة من البحر الأحمر، مروراً بكسلا ومناطق أخرى في شرق السودان، ووصولاً إلى الجنوب والجنوب الشرقي نحو إقليم تيغراي الإثيوبي. إنها مساحات تفصل بينها رسمياً حدود دولية، لكنها تزداد ترابطاً بفعل الميليشيات، والمعسكرات العسكرية، والشبكات العرقية، والقوات المسلحة النازحة، والطموحات الاستراتيجية للدول.

تتموضع إريتريا في قلب هذا المشهد الجغرافي الناشئ؛ إذ تشير الأدلة المتراكمة في شرق السودان إلى أن أسمرة تعاود ممارسة ما دأبت عليه -بأشكال مختلفة- على مدى عقود، ألا وهو توسيع نطاق حدودها الأمنية بقوة إلى ما وراء أراضيها. إن تدريب وتنظيم جماعات مسلحة سودانية داخل الأراضي الإريترية -لا سيما تلك التي تنتمي إلى مكونات سكانية عابرة للحدود وتربطها بالبلاد وشائج اجتماعية وعرقية- يتجاوز كونه مجرد تدخل في الحرب الأهلية السودانية؛ فهو يعكس عقيدة أعمق ترتكز على مفهوم “العمق الاستراتيجي”. فالهدف ليس بالضرورة التوسع الترابي أو إقامة منطقة سيادة إريترية رسمية، بل يتمثل في تهيئة بيئات سياسية وعسكرية خارج الحدود الإريترية تحول دون تمكّن القوى المعادية من ترسيخ وجودها بسهولة. ومن ثم، فإن شرق السودان يتحول إلى ما هو أكثر من مجرد مسرح خلفي للصراع الدائر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إذ بات يتحول إلى منطقة عازلة تخدم المصالح الإريترية.

إن المنطق التاريخي هنا لا لبس فيه؛ فحدود إريتريا لم تكن يوماً مجرد خطوط جيوسياسية واضحة المعالم كتلك التي تُصوَّر في الخرائط التقليدية. لقد ظلت المجتمعات القاطنة على جانبي الحدود الإريترية-السودانية -بما في ذلك شبكات قبائل بني عامر والبجا والراشايدة- تتحرك عبر حيز جغرافي-سياسي يسبق في وجوده الدول الحديثة التي تدعي بسط سلطتها عليها. وقد أدت عوامل التجارة، والروابط القبلية، ومسارات الرعي، والتعبئة المسلحة إلى خلق أشكال من التواصل الاجتماعي التي طالما سعت الدول إلى استغلالها وتوظيفها لأغراضها الخاصة. والجدير بالذكر أن النظام الإريتري نفسه كان يعتمد في مرحلة ما على الأراضي السودانية إبان كفاحه الانفصالي، إلا أن السودان تحول لاحقاً إلى مصدر تهديد للدولة الإريترية الناشئة؛ فكان رد فعل أسمرة أن عملت على دعم ورعاية شبكات المعارضة السودانية في شرق البلاد. وهكذا، استوعبت الدولة الإريترية درساً بسيطاً: وهو أن سكان المناطق الحدودية ليسوا مجرد تجمعات سكانية عادية، بل يمكنهم -في ظل ظروف جيوسياسية مواتية- أن يتحولوا إلى أدوات استراتيجية فاعلة.

هذا هو السياق الذي ينبغي من خلاله فهم ما ورد عن قيام إريتريا بتدريب وتنظيم تشكيلات مسلحة من شرق السودان، بالتزامن مع قتالها إلى جانب القوات المسلحة السودانية. فالمنطق الكامن وراء ذلك ليس أيديولوجياً؛ إذ لا يشترط أسياس أفورقي على شركائه تبني عقيدة سياسية مشتركة، بل يريد منهم المساهمة في تهيئة بيئة أمنية مواتية لنظامه. ولذا، تبني إريتريا علاقات مع مؤسسات عسكرية وميليشيات قبلية وحركات سياسية وشبكات متمردة قد لا يجمع بينها قاسم مشترك في الظروف العادية. وما يربط هذه الترتيبات ببعضها ليس التضامن، بل المنفعة؛ فبالنسبة لأفورقي، تُعد الشبكة الممتدة عبر مجتمعات المناطق الحدودية والتشكيلات المسلحة والعلاقات العسكرية شبكةً راسخة، وإن كانت أسسها لا تقوم بالكامل على طابع مؤسسي، إذ إنها تتجذر وتعيش داخل المشهد السياسي والعسكري المحيط به.

في شرق السودان، تتقاطع هذه العملية الآن مع أزمة إقليمية أوسع نطاقاً بكثير؛ فقد أدت الحرب السودانية إلى إضعاف السلطة المركزية بالتزامن مع عسكرة المناطق الحدودية النائية في البلاد. وبالنسبة للنظام الإريتري، تحمل حالة الاضطراب الناجمة عن ذلك مزيجاً من المخاطر والمزايا؛ فهي تنطوي على خطر يتمثل في أن أي قوة معادية تنجح في ترسيخ سيطرتها على الحدود الشرقية للسودان قد تُعرِّض الحدود الغربية لإريتريا لتهديدات جديدة. وفي الوقت نفسه، توفر هذه الحالة ميزة استراتيجية، إذ خلقت حالة التشرذم فرصاً لمد النفوذ؛ فالدولة المركزية الضعيفة عسكرياً تعجز عن احتكار الولاءات السياسية لسكان المناطق الحدودية، مما يفتح المجال أمام أطراف خارجية لملء الفراغ الناشئ، ويبدو أن أسمرة تعمد إلى القيام بذلك بالضبط. غير أن السودان لا يمثل سوى جزء واحد من المشهد الناشئ، إذ قد تكمن المسألة الأكثر أهمية إلى الجنوب من إريتريا.

عاد إقليم تيغراي الإثيوبي ليتصدر المشهد في الأزمة الجيوسياسية بمنطقة القرن الأفريقي؛ إذ لم ينجح الإنهاء الرسمي للحرب (التي دارت رحاها بين عامي 2020 و2022) في معالجة الظروف الاستراتيجية التي أدت إلى اندلاعها، بل اكتفى بتعليق صراعٍ أصبحت جغرافيتُه السياسية أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه المواجهة الأولية بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجناح المتشدد في “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” (TPLF). وفي أعقاب الحرب، برزت لدى إريتريا مصلحة أمنية عميقة تقتضي الحيلولة دون عودة نظام استراتيجي معادٍ على حدودها الجنوبية، بما في ذلك عودة “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” ذاتها. وفي المقابل، خرجت أديس أبابا بعلاقة غير محسومة مع كل من النظام الإريتري وفصيل “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” المنشق. والنتيجة هي منطقة لا يوجد فيها أي طرف -باستثناء الحكومة الفيدرالية الإثيوبية- ملتزمٌ بالتسوية السياسية التي أنهت الحرب رسمياً أو متصالحٌ معها تماماً.

عاد إقليم تيغراي الإثيوبي ليتصدر المشهد في الأزمة الجيوسياسية بمنطقة القرن الأفريقي؛ إذ لم ينجح الإنهاء الرسمي للحرب (التي دارت رحاها بين عامي 2020 و2022) في معالجة الظروف الاستراتيجية التي أدت إلى اندلاعها، بل اكتفى بتعليق صراعٍ أصبحت جغرافيتُه السياسية أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه المواجهة الأولية بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجناح المتشدد في “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” (TPLF). وفي أعقاب الحرب، برزت لدى إريتريا مصلحة أمنية عميقة تقتضي الحيلولة دون عودة نظام استراتيجي معادٍ على حدودها الجنوبية، بما في ذلك عودة “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” ذاتها. وفي المقابل، خرجت أديس أبابا بعلاقة غير محسومة مع كل من النظام الإريتري وفصيل “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” المنشق. والنتيجة هي منطقة لا يوجد فيها أي طرف -باستثناء الحكومة الفيدرالية الإثيوبية- ملتزمٌ بالتسوية السياسية التي أنهت الحرب رسمياً أو متصالحٌ معها تماماً.

تُعد مشكلة ما بعد الحرب بالنسبة لإريتريا حادةً بشكل خاص؛ فقد أرست “اتفاقية بريتوريا” إطاراً سياسياً يتمحور حول أديس أبابا وسلطات “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” (TPLF)، في حين لم تكن إريتريا طرفاً في الاتفاقية رغم أنها لعبت دوراً عسكرياً رئيسياً في الصراع. وقد أفرز هذا الوضع مفارقةً؛ إذ شاركت إريتريا في تقويض النظام الإقليمي الذي كان قائماً قبل الحرب، لكنها لم تؤدِّ سوى دورٍ رسميٍ محدودٍ في بناء السلام الذي أعقبها. وبالنسبة لدولة مثل إريتريا – والأهم من ذلك بالنسبة لإسياس أفورقي – فإن الاستبعاد من التسوية السياسية لا يعني بالضرورة الاستبعاد من الحيز السياسي؛ إذ توفر حالة عدم الاستقرار الراهنة في إقليم تيغراي وأجزاء من إقليم أمهرة الإثيوبيين لأسمرة وسائل بديلة لممارسة النفوذ. فالتشرذم السياسي، والتنافس الداخلي في صفوف “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي“، وعودة الطابع العسكري لبعض الشبكات المسلحة الخارجة عن السيطرة المباشرة لأديس أبابا؛ كل ذلك يخلق بيئةً يمكن أن تبرز فيها مجدداً الأهمية الاستراتيجية لإريتريا.

تكتسب العلاقة الناشئة بين العناصر المتشددة في الجناح العسكري لـ “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” (TPLF) والقوات الإريترية والقوات المسلحة السودانية أهمية خاصة. وتشير التقارير الأخيرة المتعلقة بـ “الجيش 70” والمعارك الدائرة حول منطقة “كورموك” إلى أن الحدود الفاصلة بين مسرحي العمليات السوداني والإثيوبي باتت تتسم بـ “النفاذية” وتتلاشى تدريجياً؛ إذ أصبحت الجهات المسلحة -التي كانت تفصل بينها سابقاً صراعات وطنية- تعمل الآن ضمن بيئة استراتيجية مشتركة. وهنا تبرز القوة التحليلية لمفهوم “المنطقة العازلة الإريترية”؛ فربما لم تعد إريتريا تنظر إلى شرق السودان وشمال إثيوبيا كمسرحين أمنيين منفصلين، بل يمكن فهم هذه المنطقة الحدودية الناشئة باعتبارها حيزاً استراتيجياً واحداً. ففي مناطق مثل كسلا، وكورموك، وولاية النيل الأزرق، وزالامبيسا، وتسيرونا، وحميرا، وبوري، وبادمي، والفشقة، وعفر، وغيرها، نجد أن الحدود الإريترية وميليشيات “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” والعمق العسكري السوداني باتت مترابطة بشكل متزايد عبر شبكة من الصراعات والعلاقات المتداخلة. ومن ثم، فإن أي تطور في منطقة ما قد يغير موازين القوى العسكرية في منطقة أخرى؛ فالميليشيا السودانية التي تتلقى تدريباً في إريتريا تؤثر على البيئة الأمنية قرب الحدود الغربية لإثيوبيا، كما أن قوات “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” التي تنطلق من الأراضي السودانية تشارك في الحرب الأهلية السودانية، وتظل في الوقت ذاته طرفاً في الصراع الداخلي الإثيوبي غير المحسوم. وتنتقل القوات الإريترية بين مسارح العمليات المختلفة دون أن تتغير المنطقية الاستراتيجية للتحرك، مما يجعل من المنطقة الحدودية نفسها فاعلاً سياسياً مؤثراً.

قد يفسر هذا أيضاً سبب أهمية المقارنة مع النهج الذي تتبعه إثيوبيا تجاه الصومال، وإن كان وجه الشبه هنا لا يكمن في رعاية جماعات مسلحة أو تطبيق نموذج تقليدي لحروب الوكالة. فقد سعت إثيوبيا طويلاً لاحتواء حركة “الشباب” ليس فقط عبر العمليات العسكرية المباشرة، بل أيضاً من خلال بناء علاقات سياسية وأمنية وثيقة مع الولايات الفيدرالية الصومالية والإدارات الإقليمية الواقعة على طول حدودها. وقد نُفِّذ هذا النهج بعلم الحكومة الفيدرالية الصومالية وموافقتها، وفي إطار ترتيبات أمنية رسمية -سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف- وليس كمحاولة أحادية الجانب لاختراق الأراضي الصومالية أو زعزعة استقرارها. لقد ارتكز الدور العسكري والأمني ​​لإثيوبيا على التعاون مع مقديشو، بما في ذلك عبر اتفاقيات مبرمة بين الحكومتين ومشاركة إثيوبيا في أطر أمنية إقليمية معتمدة دولياً. ومن خلال دعم القدرات الأمنية وترسيخ الأوضاع السياسية للإدارات الحدودية الحليفة، نجحت أديس أبابا فعلياً في توسيع نطاقها الأمني ​​ليتجاوز حدودها الرسمية، مما أدى إلى خلق منطقة عازلة متعددة الطبقات تفصل بين إثيوبيا وبين الأراضي التي تسيطر عليها حركة “الشباب” أو تلك التي تشهد نزاعاً حولها.

تتمثل الرؤية الجوهرية في أن المناطق الحدودية التي تتمتع بالاستقرار والانسجام والقدرة الأمنية تُعد بحد ذاتها أصلاً استراتيجياً؛ فكلما زادت فعالية الإدارات المجاورة في حكم أراضيها وتأمينها، تقلصت المساحة المتاحة أمام التهديدات العابرة للحدود للاقتراب من تخوم إثيوبيا. وتسعى إثيوبيا إلى تحقيق عمق استراتيجي من خلال تشكيل البيئة السياسية والأمنية خارج حدود الدولة القانونية، وذلك بالاستناد إلى التعاون القائم على المعايير والأطر المعترف بها دولياً فيما يتعلق بموافقة الدول والأمن الإقليمي الجماعي.

مع ذلك، يبدو أن النموذج الإريتري الناشئ يعتمد بشكل أكبر على انتهاك مبادئ سيادة الدولة، وسلامة أراضيها، وعدم التدخل، إذ يواصل سعيه لتعزيز نفوذه عبر شبكات عسكرية ومناطق حدودية متشرذمة سياسياً. فهو لا يُعيد إنتاج النموذج الإثيوبي بشكل آلي، ولا يدعم الادعاءات التبسيطية حول الإنشاء المباشر أو السيطرة على جماعات مثل حركة الشباب. التشابه بنيوي. فقد سعى النظام الإريتري مراراً وتكراراً إلى التأثير على بيئات أمنه القومي من خلال التغلغل في البيئة السياسية للأراضي المجاورة. وتُصبح الميليشيات والقبائل والمتمردون والمعارضون والإدارات الإقليمية امتداداً لاستراتيجية الدولة دون أن تصبح بالضرورة وكلاء مطيعين. وغالباً ما يكون الوكيل الأكثر فعالية لإسياس أفورقي ليس من يتلقى الأوامر، بل من تتلاقى مصالحه مع مصالح داعمه.

لا تحتاج أسمرة إلى حكم شرق السودان، ولا إلى احتلال أقاليم تيغراي أو أمهرة أو عفر الإثيوبية. بل قد لا تحتاج حتى إلى ممارسة قيادة مباشرة على التشكيلات المسلحة التي تقيم معها علاقات؛ فما تحتاجه هو بيئة سياسية تحول دون تمكّن أي قوة معادية متماسكة من ترسيخ أقدامها بسهولة على طول المداخل الغربية أو الجنوبية لإريتريا. وهذا يفرز ما يمكن تسميته بـ “عقيدة العمق الاستراتيجي القائم على الشبكات”. فالمناطق العازلة التقليدية ترتبط بالأرض؛ حيث تسيطر دولة ما على رقعة جغرافية تفصل بينها وبين خصم محتمل. أما حدود المنطقة العازلة الناشئة الخاصة بإريتريا، فلا تتحدد بالسيادة الرسمية، بل بمدى النفوذ الممتد عبر شبكات مسلحة. وبالنسبة لإريتريا، فإن وجود جماعة عابرة للحدود تلقت تدريباتها على أراضيها يُعد أكثر فائدة من الناحية الاستراتيجية مقارنة بشريط من الأرض الخاضعة لسيطرة رسمية مباشرة. إذ يوفر أي تشكيل عسكري متعاطف في شرق السودان أو شمال إثيوبيا إنذاراً مبكراً، ومعلومات استخباراتية محلية، ونفوذاً سياسياً. كما أن العلاقة مع المتشددين في “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” (TPLF) وشبكات ميليشيا “فانو” المسلحة تحول دون تشكّل جبهة عسكرية معادية وموحدة انطلاقاً من الجنوب، بينما يوفر الشريك العسكري السوداني عمقاً استراتيجياً لمواجهة التهديدات القادمة من الغرب. ورغم أن كل علاقة من هذه العلاقات تبدو تكتيكية عند النظر إليها بمعزل عن غيرها، إلا أنها مجتمعةً تبدأ في تشكيل بنية استراتيجية متكاملة.

تترتب على إثيوبيا تداعيات استراتيجية عميقة؛ إذ تواجه البلاد، وبشكل متزايد، حالة من عدم الاستقرار على جبهات متعددة في آن واحد. ولا يمكن التقليل من شأن الأزمة التي لم تُحل بعد في الشمال، فقد أدت الحرب في السودان إلى نشوء جبهة غربية مضطربة، وفي الوقت نفسه، عادت التوترات بين أديس أبابا وإريتريا لتشكل محوراً رئيسياً من محاور التوتر في ميزان القوى الإقليمي. وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن التعامل مع عسكرة شرق السودان باعتبارها مشكلة سودانية بحتة، كما لا يمكن النظر إلى التطورات داخل إقليم تيغراي على أنها مجرد أزمة داخلية إثيوبية؛ إذ بدأت هذه الساحات تتفاعل وتؤثر في بعضها البعض.

لعلّ أهمّ تشكيل ناشئ هو المثلث الذي يربط بين إريتريا والقوات المسلحة السودانية وشبكات جبهة تحرير شعب تيغراي المسلحة. لا تُشكّل هذه العلاقة بالضرورة تحالفًا رسميًا كما يُصوّرها البعض غالبًا على أنها كتلة إقليمية متماسكة، بل هي بالأحرى تفاعل تكتيكي قائم على حسابات دقيقة أو خاطئة. لكنّ هذا التقارب ذو أهمية بالغة لأنه يُتيح إمكانية وجود قاعدة خلفية استراتيجية خارجة عن سيطرة إثيوبيا المباشرة. فالأراضي السودانية تُوفّر ملاذًا آمنًا ودعمًا لوجستيًا وعمقًا في العمليات، بينما تُوفّر إريتريا بنية تحتية عسكرية وقاعدة دولة آمنة، وتُوفّر قوات جبهة تحرير شعب تيغراي قدرات سياسية وعسكرية داخل إثيوبيا.

هذا تهديدٌ يختلف نوعيًا عن النزاعات الثنائية التقليدية. إنه منظومةٌ من الفوضى والأزمات، تفتقر إلى مركز قيادةٍ واحدٍ يُمكن هزيمته. وعلى رأس هذه المنظومة تقف المؤسسة المصرية التي تسعى إلى تصدير الأزمات الداخلية واحتواء الطموحات الإقليمية الإثيوبية عبر تطويق الدولة الإثيوبية وخنقها استراتيجيًا. مع ذلك، يبدو أن مصر تواجه صعوبةً في التمييز بين العمق الاستراتيجي والتوسع الاستراتيجي المفرط. المفارقة هي أن هذه الاستراتيجية قد تُؤدي إلى خلق عدم الاستقرار الذي صُممت لإدارته. فإلى جانب عودة العداء الحتمية بين جبهة تحرير شعب تيغراي، ومنظمة فانو، والقوات المسلحة لجنوب إفريقيا، والنظام الإريتري، بمجرد أن تُعرّف إثيوبيا الأمن من منظور التهديدات الخارجية التي يجب تحييدها داخل حدودها وخارجها، يُمكن أن تتسع حدود الأمن القومي إلى ما لا نهاية. فجغرافيا انعدام الأمن لا نهاية طبيعية لها.

 

بلين مامو، المدير التنفيذي، مجلة هورن ريفيو

عن الكاتب

عدد المقالات : 1752

اكتب تعليق

الصعود لأعلى