الدكتور كايد الركيبات: قراءة في رواية “فهل كنت نذلا؟”
قدمت الكاتبة التونسية حبيبة المحرزي في روايتها “فهل كنت نذلاً؟” الصادرة مطلع ربيع هذا العام عن دار خريف للنشر، عملاً سردياً فرض حضوره بوصفه تشريحاً نفسياً واجتماعياً لإنسان مسحوق تحت وطأة الفقر والطبقية والانكسار، فمنذ الصفحات الأولى وضعت الرواية القارئ أمام سؤال أخلاقي مقلق لا يتعلق بالبطل وحده، بل بالمجتمع بأسره، هل يوُلد الإنسان نذلاً؟ أم أن القهر الطويل يدفعه تدريجياً إلى التحلل من قيمه حتى يغدو صورة مشوهة من ذاته الأولى؟
نجحت المحرزي في بناء شخصية بطل روايتها “وسام” بوصفه كائنا مأزوما أكثر منه شخصية روائية تقليدية، فهو لا يتحرك بدافع الشر الخالص، ولا تحكمه براءة الضحية الكاملة، بل يتأرجح باستمرار بين الحلم والسقوط، بين أمله في النجاة واستعداده لخيانة كل شيء في سبيل تلك النجاة، ومن هنا جاءت قوة الرواية، إذ لم تجعل بطلها نموذجاً أخلاقياً يمكن الدفاع عنه أو إدانته بسهولة، بل جعلته مرآة لطبقة اجتماعية مسحوقة تحاول الصعود بأي وسيلة حتى لو كان الثمن فقدان الروح ذاتها، قالت على لسانه: “أعلم أنكم ستلعنونني، ستسبونني بكل الطرق وبكل اللغات… ولكي أكون صادقاً معكم، وكي أحرركم من الحرج في الجواب الذي لن تتوصلوا إليه، ولن تجزموا به، إلا إذا أتممت لكم القصة” (ص: 11).
أبرز ما يلفت الانتباه في الرواية هو قدرتها على تحويل الفقر من حالة اقتصادية إلى قدر نفسي، فوسام لا يعاني من الجوع المادي فقط بل من وصمة الفقر التي تطارده في نظرته إلى نفسه وفي علاقته بالآخرين، خصوصاً حين وجد نفسه مرتبطاً عاطفياً بسيفدة زميلة الدراسة القادمة من طبقة برجوازية، هنا تجلت براعة الكاتبة في كشف التداخل بين الحب والطموح الطبقي، إذ يبدو أن وسام كان يبحث من خلالها عن اعتراف اجتماعي أكثر من بحثه عن الحب، لذلك جاءت صدمته عنيفة حين اصطدم بحقيقة الفوارق الطبقية واكتشف أن التعليم والطموح لا يكفيان دائماً لعبور الحواجز الاجتماعية الصلبة، وهذا ما سمعه سلفاً من والدته: “القراية باهية، أما حبالها طويلة، ونحن حالنا ضعيف، عيش ولدي لا تكبّر رأسك” (ص:25).
دراما سردية الرواية التي قدمتها الكاتبة تشعرنا أن الرواية في جوهرها ليست رواية هجرة بل رواية اقتلاع، فالهجرة إلى إيطاليا لم تُقدَّم باعتبارها انتقالاً جغرافياً نحو الفردوس، وإنما باعتبارها سقوطاً آخر في هاوية جديدة، لقد هرب البطل من قهر الوطن ليجد نفسه داخل قهر أكثر قسوة وتعرياً، وهنا كشفت الكاتبة بذكاء زيف الحلم الأوروبي الذي كثيراً ما يُسوَّق في المخيال العربي باعتباره خلاصاً نهائياً للفقراء والمهمشين، فإيطاليا في الرواية ليست فضاء للحرية بل مسرحاً جديداً للاستغلال والانحطاط الإنساني، حيث يتحول الإنسان المهاجر إلى جسد يرتع به الخوف والجوع والمهانة.
ومن الجوانب اللافتة في الرواية براعة الكاتبة في توظيف الرمزية دون افتعال، فالحذاء والعطر لم يكونا مجرد تفصيلين عابرين بل تحولا إلى إشارتين كثيفتين للصراع الطبقي والهوية الضائعة، فالحذاء مثّل محاولة وسام الدائمة لتغيير صورته الخارجية، وكأن المظهر وحده قادر على محو ذاكرة الفقر لكنه في كل مرة يتعثر بحذائه أو يشعر بغربته داخله ليدرك أن الهوية أعمق من المظاهر. أما العطر فقد بدا رمزاً للفاصل الحسي بين عالمين عالم البرجوازية المترف الذي مثلته سيفدة وعالم الأحياء الشعبية الذي لا يستطيع وسام الهروب من رائحته الداخلية مهما حاول التنكر لها.
ولعل أكثر ما منح الرواية ثقلها الإنساني هو تصويرها لانهيار الأسرة بوصفه نتيجة طبيعية لانهيار المجتمع، فوالدة وسام لم تكن مجرد شخصية ثانوية حزينة، بل تحولت إلى صورة مكثفة للفقد المزمن، امرأة خسرت أفراد أسرتها واحدا تلو الآخر ليس بالموت، بل بالغياب والتيه والانكسار، حيث قُدّم الأب وكأنه عبء على الأسرة فهو معزول عنهم في عالم المخمورين قليلي القوة والحيلة. كما أن الابن الذي امتهن الغناء في المناسبات الاجتماعية وسلك طريق الانحراف الأخلاقي لم يُقدَّم بوصفه شخصاً منحرفاً فحسب بل كإنسان اختار الغياب عن الواقع لأنه عاجز عن احتماله والتعايش معه، وهروب الابنة ساجدة إلى فرنسا برفقة رجل فرنسي تعرفت عليه من مواقع التواصل الاجتماعي كان نوعاً من الهروب من الواقع الأليم المزري، وهكذا أصبح التفكك الأسري انعكاساً لانهيار أوسع في البنية الاجتماعية والأخلاقية.
على المستوى السردي حافظت الرواية على توتر نفسي واضح حتى في اللحظات التي بدا فيها الحدث بطيئاً، فالكاتبة لم تعتمد على المفاجآت الكبرى بقدر اعتمادها على التراكم التدريجي لخيبات الأمل، ولهذا جاء الإيقاع في النصف الأول أكثر تفصيلاً وتأملاً، بينما بدا النصف الأخير أكثر سرعة، وكأن الرواية نفسها فقدت أنفاسها مع سقوط البطل المتسارع، خدم هذا التفاوت في التوازن الزمني الرؤية الفنية للعمل، لأن حياة وسام نفسها لم تكن متوازنة بل سلسلة من الانحدارات المتلاحقة التي لا تمنحه فرصة حقيقية للنجاة.
أحدث حضور شخصية كلارا انعطافةً مفصلية في مسار الرواية، فهي لم تكن مجرد عابرة في غربة البطل بل جسّدت النجاة من قلب المأساة، لم يكن دور وسام في تخليصها من حجزها في القبو مجرد فعل بطولي عابر بل كان نقطة تلاقٍ بين انكسارين لقد رأت كلارا في وسام نبلاً افتقدته في أقرب الناس إليها، فكان رد فعلها أن منحته ثقتها المطلقة وانتشلته من وضعه كمهاجر غير شرعي مطارد إلى مرتبة رجل أعمال يتمتع بالشرعية والتمكين، لقد خلقت هذه العلاقة مفارقة درامية بالغة العمق فبينما كانت سيفدة تُغذي في وسام رغبة الانتقام الطبقي كانت كلارا تُعيد ثقته بنفسه، ومع ذلك لم يمنح هذا الارتقاء الشعوري وسام السلام الداخلي بل زاد تعقيد مأساته مما جعل إصراره اللاحق على الانتقام من سيفدة يغدو عبثياً إلى أقصى الحدود ويؤكد أن عالم وسام الشعوري لم يكن وليد انعدام الفرص بل كان سجناً داخلياً أحكمت الذاكرة المقهورة إغلاق أبوابه فلم يفلح حتى النجاح المادي الذي منحته إياه كلارا في تحريره من سطوة خيباته وانكساراته.
بلغ وسام ذروة سقوطه حين حول حبه القديم إلى أداة انتقام طبقي، لقد انتقم من سيفدة لا لأنها خذلته فقط بل لأنها مثلت الطبقة التي كان يشعر دائماً أنها تحتقر وجوده، وهنا بلغت الرواية أقصى درجات المأساة حين تحول الإنسان المقهور من ضحية إلى جلاد، ولم يكن انتحار سيفدة مجرد حدث درامي صادم بل لحظة تعرية كاملة للبطل، فمن خلال هذه النهاية أكدت الكاتبة أن القهر لا يصنع دائماً ضحايا أبرياء، بل قد يصنع كائنات قادرة على إعادة إنتاج العنف ذاته بصورة أكثر وحشية، لذلك فإن عودة وسام مجدداً إلى إيطاليا بدا وكأنه هروباً من نفسه أكثر من كونه هروباً من المكان، لقد فقد الوطن وخسر الأسرة ودمر الحب ولم يعد يملك سوى ذاكرة مثقلة بالذنب والانهيار.
لقد قدمت حبيبة المحرزي رواية مشبعة بالألم الإنساني والوعي الاجتماعي، رواية تنبش في هشاشة الإنسان حين يجد نفسه عالقاً بين الحلم والمهانة، بين الرغبة في النجاة والخسارة التدريجية لمعناه الأخلاقي، وهي بذلك لا تكتفي بسرد مأساة فرد بل تكتب سيرة جيل كامل يشعر أن العالم أغلق أبوابه في وجهه، فلم يعد يملك سوى الهروب حتى لو قاده الهروب إلى مأساة أكبر، ومن هنا جاءت قوة العنوان “فهل كنت نذلا؟” فهو ليس سؤال وسام وحده، بل سؤال مجتمع كامل يدفع أبناءه إلى الحافة ثم يُدهش من سقوطهم.

