انت هنا : الرئيسية » الواجهة » سعاد خليل: تمائم السينما الصورة والغايات

سعاد خليل: تمائم السينما الصورة والغايات

سعاد خليل

المصدر:
منذ ظهورها أواخر القرن التاسع عشر، لم تعد  السينما مجرد وسيلة للترفيه أو حكاية تُروى على الشاشة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الفنون قدرة على التأثير في الوجدان الإنساني وصياغة الوعي الفردي والجماعي. فهي تجمع بين الصورة والحركة والصوت والدراما، لتخلق عالماً موازياً يتفاعل معه المتلقي بوصفه تجربة معيشة لا مجرد عرض فني. ومع هذا التأثير المتنامي، أصبحت السينما أداة قادرة على نقل الأفكار والقيم والرؤى، بل وأحياناً على توجيه المواقف وتشكيل التصورات عن الذات والآخر. ومن هنا تبرز أهمية التساؤل عن الغايات الكامنة وراء الصورة السينمائية، وعن حدود الفن حين يتحول إلى وسيلة للتأثير الثقافي أو الأيديولوجي، وهو ما يحاول هذا المقال التوقف عنده من خلال قراءة في علاقة السينما بالمتلقي وأهداف صناعها.

كتب سليمان الحقيوي عن هذا الموضوع يقول :

تكمن روعة الفن في قدرته اللامتناهية علي مد تجربتنا الحياتية بتجارب إنسانية اخري ما كان لنا ان نلامسها ولا ان نتعرف اليها انها تسافر بنا وفينا نحو عالم خيالي مشترك وما كان للسينما ان تتبوا هذه المكانة الرفيعة، وتحقق هذا الامتاع الإقناعي لولا مراهنتها علي سحر الصورة وإيحاءاتها غير ان تأشيرة هذا الترحال الوجودي ليست بالثمن اليسير، انها مقرونة بمخاطر شتي قد تجعلنا فريسة سهلة بين انياب التعبئة الأيديولوجية التي تكثر عنها بعض الثيمات السينمائية.

ولقد وجدنا انفسنا طوال عقود خلت أهدافا لهجوم مفترس تشارك فيه وسائط إعلامية مختلفة تتراوح بين المكتوب والمرئي والمسموع، مشكلة حلقة وثيقة تحكم الحصار من حولنا باعتبارها قنوات ضخمة لتمرير المعلومة واذا كانت وسائل الاتصال هذه قد تعدد وتطورت الي حد كبير فان لسنم تحظي بمكانة متميزة بينها ، فهي تختزل مجموعة من الوسائل في الان نفسه ،حيث تجند الحوار (الكلام ) والصورة والقصة والفن والعلم ، ما يجعلها تتفوق علي باقي الوسائل الأخرى . فقد قطع التعبير بواسطة الصورة اشواطا كبيرة من التقدم حيث فقزت خطوات هائلة خالقة موجدة مسافة شكلية ومضمونيه مع المنجز السابق ما جعل السينما تعتلي هرم الفنون ، وتسلب المتلقي رادة وتشكل مناسبا حقيقيا يفرض نفسه في بعض الحالات ، بديلا للمسرح ، منزع إياه في ابوته للفنون . وذا ردنا ان نضع مقرنة بسيطة بين عدد قراء الكتب وعشاق المسرح، وبين رواد السينما لوجدنا البون شاسعا ، فالسينما في المتبع الوحيد الذي تستمد منه مجموعة كبيرة من الشباب ثقافتهم في سنوات حياتهم الطويلة التي لا تنقطع بانقطاعهم عن الدراسة ن فهي لا تضع شروطا او حواجز لولوج عوالمها كما يفعل المسرح الذي يرتاده المثقف والمتعلم . انها تتحول في احايين كثيرة الي غزو علي المستويين الثقافي والأخلاقي ونحن هنا لا نعمم احكامنا علي كل وسائل الاتصال كلما لا جعل من السينما فقط وسيلة اتصال مناسبة، وهو ما سيتضح في اوانه.

ان السينما بتعبير المخرج الاسباني كارلوس ساورا، هي العالم الذي يتحول من خلاله المخرج الي مستوي الالها يخلق من يشاء ويقضي علي من يشار يصنع السعادة ، ويدمر لحياة ، ويخلق الصراعات بانتصاراتها واحباطاتها ، وما يهمنا من هذا الكلام هو هذه السلطة التي يتمتع بها المخرج داخل عالمه ، للفيلم ، ، فإنها ستتحول الي عصا سحرية  بعد عملية الإنتاج هذه من خلال التأثير الذي سيمارسه الفيلم علي المتلقي ،  واستجابته لمضمونه وقد سرد بريان بيتس في كتابه طريق الممثل 1986 بعض الحكايات التي تجعل السينما والسحر وجهين  للعملة نفسها حيث يعتبر ان ما يقوم به المخرج من ابداع ما هو الا شكل من اشكال السحر ان هذا التأثير قد يتراوح بين السل والايجاب حسب قدرة المتلقي علي حل رموز الفيلم البادية والخفية هذا اذ افترضنا انه يقوم بالنقد أصلا ؟ لان واقع الحال يؤكد عكس ذلك

وكما هو معلوم فان للمخرجين من وراء افلامهم أهدافا وطموحات يغتوينها  مداعبين شاببيك التذاكر او باحثين  عن الشهرة والمجد والجوائز ، واخرون لهم اهداف ونوايا يستغلون الصورة من اجل تحقيقها وهناك من يجمع بين بعض هذه الغايات او اكثرها من دون ان ننسي فئة اخري من المخرجين تنتج السينما من اجل الانسان والفن ان هذا الاختلاف في الأهداف ينتج عنه اختلاف في مواضيع الأفلام وطرائق صنعها وتوجهها فالباحث عن الجوائز سيوجه متوجه بما يلائم هواء لجان التحكيم ،اما من يريد المداخيل فقط فأمامه طرق ووسائل لا تتوفر لغيره ، فهو اما ان يبدع موضوعا لم يسبقه اليه حد وهو ما جعلنا امام سل كبير من الأفلام متعددة المواضيع ، كأفلام الحركة التي فرضت سيطرتها منذ التسعينيات من القرن الماضي ولا زالت تداعب اهواء البعض ، لتحل محلها أفلام الرعب التي تربعت علي عرش شببيك التذاكر الامريكية مؤثرة في نظريتها العربية . وغير هذه الاصناف كثير وهناك من المخرجين من يعيد احياء فكرة قديمة بأسلوب عصري وتقنيات متطورة تبهر المشاهد وتجعله في حالة من التصديق لأحداث الفيلم وهذا النموذج ينطبق علي جيمس كامرون الذي رفع شعار التقنية سبيل الفتوق في فيلمه افاتار كما في باقي أفلامه السابقة فهو دائما ما يطرق ابوابا من الابداع لا يصلها غيره ، ولعل روائعه السينمائية تشهد علي نجاحاته غير المسبوقة فهو دائما يكفا بكرم لأنه عادة ما يستطيع ان يتخذ لنفسه مكانا وسطا بين مطالب الجماهير وشهية شبابيك التذاكر المفتوحة دئما ففيلمه افاتار الظاهرة الذي اجمع الكل علي اعتباره فتحا جديدا في عالم التصور السينمائي ، قد تجاوز حاجز الملياري دولار ، متخطيا إنجازه السابق بفيلم تيتانيك الذي حقق  اكثر من 750 مليون دولار .

ولكي بنقي مرتبطين بتصنيفنا لنوايا المخرجين فإننا سنتحدث عن النوع الذي يشاطر جيمس كامرون الرغبة في تحقيق المداخيل الضخمة ويخالفه الطرق المؤدية اليها هذا النوع الذي ينج سينما بئيسة تحط من قيم الأنسان عن طريق انتاج أفلاما تدور مواضيعها حول الغرائز، وهذا النمط من السينما هو الباب الذي يطرقه مجموعة من المخرجين العرب الذين جعلوا منعام 2009 موسما استثنائيا في انتاجاتهم التي تغيب عن اغلبها صفة السينما والفن .

ونحن بصدد الحديث عن تأثير السينما العربية والغربية وإساءاتها المتكررة ان نذكر فيلما اخر كان له بريقه انه فيلم نهاية العالم 2012 للمخرج رونالد اميريش وبطولة جون كوزاك واماندا بيت الذي يحكي قصة نهاية العالم وكعادة اغلب أفلام هوليود تظهر الولايات المتحدة بصورة المنقذ عن طريق انشاء علمائها سفن الإغاثة او السفن التي ستحمل 400الف شخص وهو العدد لذي يتناسب مع طاقتها الاستيعابية لذلك سيعمدون الي انتقاء من سيطأ هذه السفن ،ليكون رؤساء الدول والعلماء من كل بقاع العالم في الطليعة ،املا في إعادة بناء العالم من جديد ليضع مخرج الفيلم وبطريقة غير مباشرة مقارنة خبيثة تنال من الشخصية الربية في صميمها حينما جعل السبب في تواجد العرب علي ظهر السفينة هو المال فقط  لانهم سيحتاجونه في عملية إعادة البناء ، اما الطعنة الثانية فكانت محولة اظهار شخصية الأمير الثري في قمة الانانية عندما  يتخلى عن عائلته وينجو بنفسه في مقابل ذلك تظهر احدي الشخصيات علي استعداد للتضحية من اجل انقاذ كلبها ، فكثيرة ومتشعبة هي طرق رصد تأثيرات السينما ووجهها للمتلقين ، ولعل صرخة رئيس اتحاد المنجين السينمائيين أريك ونسون عن مهمة السينما ما يوضح بعضا منها ،حيث قال : ان املنا  الدائم هو ان تتضافر افلامنا لتنقل الي اعين الاخرين صورة تجعل من أمريكا مجتمعا خياليا متألقا . لا مراء اذن في التأثير العميق للسينما علي المجتمع انها تتسرب الي ما تحت الجلد وفي اللاوعي اننا نعيش معها وتعيش معنا.

لكن معالجنا لهذا الموضوع لن تنتهي قطعا بمحاكمة صانع الفيلم ومنجيه مهما كانت دوافعه ونواياه المكشوفة والمتخفية، بل يجب علينا ان نؤخذ وبنقد شديد اللهجة الطرف الثاني في عملية التواصل هذه، يتعلق الامر هذا بالمتلقي الذي لم يعد شغوفا بالسينما كفن راقي ،السينما التي تجعل منه قيمة عليا . ولعل هذه الامية السينمائية التي يعيشها العالم العربي كانت سببا وجيها بحكم انتاجات السينمائيين ، لقد اصبحنا اليوم امام متلق سلبي لا يملك فهما عميقا يساعده علي فهم وتمييز اغراض صناع السينما المباشرة وغير المباشرة ، وربطها بظروفها السياقية والإنتاجية، وهو ما يجعل هذه الفئة العريضة المكونة أساسا من الشباب المنبهر بالصورة والجسد وزيفهما في كثير من الاحيان  تحت رحمة صانع الفيلم وفي مرمي سلاحي هذا المتلقي لا يعي انه عندما يشاهد فيلما فهو يشاهد الصورة في طورها النهائي علي الشاشة ، لكنه لا يعرف طبيعة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والفنية التي حكم نتاجها .

ان بعض الحملات التي نطالعها علي الفيسبوك ضدا علي بعض الأفلام العربية خصوصا ليست كافية ن بل يجب سلوك طرائق اخري انجعها يتمثل في مشاهدة ما يستحق المشاهدة من هذه الأفلام ، ثم ممارسة حوار معها ، للتتويج العملية في الأخير بالنقد الذي يعطي للمتلقي هذه الصفة ويهبه القدرة علي البحث عن منافذ سينمائية تسهم في تنمية ذوقه الاستيتيكي ، الشأن الذي سيعمق مفهوم السينما بما في وعي جمالي وفني يمتاز بمعالجة قضايا إنسانية متفتحة علي الإمكان المستقبل للإنسان وقضاياه .

تبقى السينما، رغم كل ما يثار حولها من جدل، واحدة من أعظم منجزات الفن الإنساني وأكثرها قدرة على ملامسة الإنسان والتأثير فيه. غير أن قوة الصورة لا ينبغي أن تجعل المتلقي أسيراً لها أو مستسلماً لرسائلها الظاهرة والخفية، بل تدعوه إلى امتلاك وعي نقدي يمكنه من التمييز بين الفن الذي يرتقي بالإنسان والفن الذي يوظف الصورة لخدمة أغراض أخرى. فالمسؤولية لا تقع على عاتق صناع الأفلام وحدهم، بل تشمل أيضاً الجمهور الذي يحتاج إلى ثقافة سينمائية وجمالية تمكنه من قراءة العمل الفني وفهم سياقاته ودلالاته. وعندما يلتقي الإبداع الصادق بمتلقٍ واعٍ، تصبح السينما فضاءً رحباً للحوار والمعرفة والجمال، وقوة حضارية تسهم في توسيع آفاق الإنسان وتعميق فهمه لذاته وللعالم من حوله.

عن الكاتب

عدد المقالات : 1744

اكتب تعليق

الصعود لأعلى